أزمة سقف الدين الأمريكي تعود مجددًا وسط فوضى تشريعية حول مشروع ترامب الاقتصادي
تلوح في الأفق مجددًا أزمة تهدد قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها المالية، وذلك مع تصاعد احتمالات اقتراب البلاد من شبح التخلف عن سداد الديون، في ظل تعقيدات سياسية وتشريعية محيطة بمشروع قانون الضرائب والإنفاق الضخم الذي يقوده الرئيس دونالد ترامب.
فقد قرر قادة الجمهوريين في الكونغرس ربط رفع سقف الدين القانوني للولايات المتحدة بمشروع قانون ترامب الاقتصادي الذي يتضمن تخفيضات ضريبية بمليارات الدولارات وزيادات في الإنفاق. هذا الربط، وإن كان يهدف إلى تسريع تمرير المشروع، إلا أنه يهدد بجعل مصير رفع سقف الدين معلقًا في دوامة التعديلات والتجاذبات السياسية داخل مجلس الشيوخ.
خلافات جمهورية تعرقل التقدم
رغم تمرير مشروع القانون بصعوبة في مجلس النواب — بفارق صوت واحد فقط — فإن التوقعات تشير إلى أن أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين سيجرون تعديلات كبيرة عليه، وهو ما قد يعقد عودته لاحقًا لمجلس النواب ويؤجل التصويت النهائي عليه. هذا التأخير قد يثير قلق الأسواق المالية، خاصة مع تحذيرات وزارة الخزانة من أن الولايات المتحدة قد تستنفد قدرتها على الاقتراض بحلول أغسطس.
وقد بدأ المستثمرون بالفعل في تجنب السندات المستحقة في أغسطس، إذ ارتفعت عوائدها مقارنة بباقي الآجال، ما يعكس مخاوف من التعثر في السداد.
مطالب متضاربة داخل الحزب الجمهوري
داخل مجلس الشيوخ، تختلف توجهات الأعضاء الجمهوريين. فبعضهم، مثل السيناتور "ليزا موركوفسكي"، يعارض إلغاء سريع للدعم الضريبي لمشاريع الطاقة النظيفة، وهو ما يضر بالبنوك والمستثمرين في هذا القطاع. آخرون، مثل السيناتور "جيم جاستس"، يريدون إعفاءات ضريبية دائمة على الإكراميات وساعات العمل الإضافية.
السيناتور "جوش هاولي" يطالب بزيادة ضريبة الأرباح الرأسمالية (Carried Interest) ورفع الحد الأقصى للائتمان الضريبي على الأطفال. وفي المقابل، يصر السيناتور "رون جونسون"، المعروف بتشدده المالي، على إلغاء التنازلات التي حصل عليها نواب من ولايات ذات ضرائب عالية بشأن خصم الضرائب المحلية (SALT)، وهو بند يرى قادة مجلس النواب أنه أساسي لإقرار المشروع.
الموعد الحرج يقترب ولا خطة بديلة
وزارة الخزانة الأمريكية بقيادة الوزير سكوت بيسينت حذرت من أن الدولة قد تبلغ أي لحظة تنفذ فيه القدرة على الاقتراض في وقت ما بين أواخر أغسطس ومنتصف أكتوبر، ما لم يتم رفع أو تعليق سقف الدين.
ورغم التهديدات المتزايدة، لا يمتلك الجمهوريون خطة بديلة لتمرير رفع سقف الدين خارج مشروع قانون ترامب. وإذا اضطروا للجوء إلى الديمقراطيين، فسيواجهون مطالب مقابلة مثل زيادة الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، وهو ما يرفضه المحافظون الجمهوريون.
معركة تشريعية بلا خريطة طريق واضحة
السيناتور الجمهوري "جون ثيون" أقر بصعوبة الالتزام بهدف إقرار المشروع قبل 4 يوليو، قائلاً إن جمع 51 صوتًا في مجلس الشيوخ ليس أمرًا مضمونًا، خصوصًا أن "لكل سيناتور أفكاره الخاصة حول ما يجب تغييره."
وفي حين يسعى بعض الجمهوريين إلى جعل التخفيضات الضريبية المؤقتة دائمة وهو ما يرفع تكلفة المشروع يطالب آخرون بتخفيضات إضافية في الإنفاق. هذا التناقض يجعل تمرير النسخة النهائية من القانون في مجلس الشيوخ أمرًا بالغ التعقيد.
أما الديمقراطيون، ورغم تهميشهم من المسار التشريعي القائم على "المصالحة المالية"، فلديهم فرصة لاستخدام قواعد مجلس الشيوخ لحذف البنود غير المالية من المشروع، مثل التسهيلات على كاتمي الصوت وقيود تنظيم الذكاء الاصطناعي.
الأسواق تراقب والمخاطر تتزايد
مع اقتراب المهلة وتضاؤل الخيارات، يبقى مصير الاقتصاد الأمريكي معلقًا على قدرة الجمهوريين على تجاوز خلافاتهم الداخلية قبل أن تصطدم البلاد بجدار التخلف عن السداد. وأي فشل في التوصل إلى اتفاق في الوقت المناسب لن يهدد فقط استقرار الأسواق، بل سيؤدي إلى أزمة ثقة في قدرة واشنطن على إدارة شؤونها المالية.
