الاقتصاد السويسري يظهر مرونة أمام صدمة الرسوم الجمركية الأمريكية
أظهر استطلاع أجرته وكالة بلومبرج أن الاقتصاد السويسري سيتمكن من امتصاص أثر الصدمة الناتجة عن الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة خلال العام المقبل تقريبًا، دون أن ينزلق إلى حالة ركود.
وبحسب الاستطلاع، خفض الخبراء توقعاتهم للنمو السنوي المعدل لاستبعاد تأثير الفعاليات الرياضية الكبرى لعامي 2025 و2026 بمقدار 0.1% ، لتصبح 1.4% و1.1%على التوالي، وهو ما يعكس قدرة الاقتصاد على الصمود رغم الضغوط.
تباطؤ قصير الأجل وانتعاش لاحق
يتوقع المحللون أن يشهد الاقتصاد السويسري ضعفًا مؤقتًا في الأداء بعد الطفرة التي سجلها في بداية العام، والتي جاءت نتيجة زيادة الصادرات تحسبًا لفرض الرسوم الجمركية الأمريكية العالمية من قبل الرئيس دونالد ترامب. وتشير التقديرات إلى أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي المقرر صدورها يوم الجمعة ستظهر انكماشًا طفيفًا في الربع الثاني من 2025، قبل أن يبدأ النشاط الاقتصادي في التحسن مجددًا مع نهاية العام.
فمن غير المتوقع حدوث ركود في سويسرا على الإطلاق. الاقتصاد ليس في حالة ازدهار، لكنه ما زال يحقق نموًا حسب البيانات الأخيرة.
الرسوم الجمركية الأعلى بين الدول المتقدمة
تواجه سويسرا حاليًا رسومًا جمركية أمريكية بنسبة 39% وهي الأعلى بين الدول المتقدمة وقد دخلت حيز التنفيذ مؤخرًا. ورغم ذلك، تواصل الحكومة السويسرية مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، ما يبقي الباب مفتوحًا أمام احتمالية تعديل هذه النسبة.
لكن التحديات لا تتوقف عند هذا الحد، إذ هدد ترامب أيضًا بفرض رسوم على واردات الأدوية، وهو ما قد يمثل صدمة إضافية للاقتصاد السويسري، خاصة أن قطاع الصناعات الدوائية يعد من أعمدة الصادرات السويسرية.
في حال عدم التوصل إلى حل سريع، فإن خسائر كبيرة في الوظائف تبدو شبه مؤكدة خلال الأشهر المقبلة. هذا الوضع سيجعل العديد من الشركات السويسرية في قطاع التصنيع غير قادرة على المنافسة في السوق الأمريكية، ويدفعها لنقل الإنتاج إلى دول الاتحاد الأوروبي المجاورة، خصوصًا أن الاتحاد الأوروبي بات يتمتع بميزة تنافسية بعد عقده اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية على إثرها تم خفض التعريفات الجمركية إلى 15%.
تأثير محتمل على السياسة النقدية
بقاء الرسوم الجمركية عند مستوياتها المرتفعة لفترة طويلة سيزيد من احتمالية لجوء البنك الوطني السويسري إلى تبني أسعار فائدة سلبية مجددًا، وذلك بعد أن قام بالفعل في يونيو بخفض الفائدة إلى 0%.
حتى الآن، يظل التفاؤل قائمًا بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق في وقت قصير، حيث تشير نتائج الاستطلاع إلى أن الأسواق تتوقع بقاء سعر الفائدة الأساسي للبنك الوطني عند الصفر حتى نهاية 2027، وهو نفس التوقع الذي كان سائدًا قبل فرض الرسوم الأخيرة.
السيناريو الأساسي لدينا هو عودة الرسوم الأمريكية إلى 15% في المستقبل القريب. أما في أسوأ الحالات، فقد لا يتم التوصل إلى اتفاق خلال الأسابيع المقبلة، وإنما في العام القادم. وإذا تم فرض رسوم على المنتجات الدوائية، فسوف يتم إعادة النظر في توقعات نمو الاقتصاد السويسري مرة أخرى.
رغم أن صدمة الرسوم الجمركية الأمريكية تشكل ضغطًا واضحًا على الاقتصاد السويسري، فإن المؤشرات الحالية تظهر قدرة هذا الاقتصاد على تفادي الركود والحفاظ على نمو متواضع. ومع ذلك، فإن طول أمد النزاع التجاري أو توسيع نطاق الرسوم ليشمل قطاع الأدوية قد يغير المشهد جذريًا، ويجبر صناع السياسة النقدية على اتخاذ إجراءات أكثر تيسيرًا لدعم النشاط الاقتصادي.
ولكن كيف سيكون تاثير هذه التطورات على جوانب الاقتصاد السويسري؟
- على الفرنك السويسري:
الفرنك السويسري يعرف كعملة ملاذ آمن، لكن استمرار التوترات التجارية وارتفاع الرسوم الجمركية قد يخلق ضغطًا مزدوجًا؛ فمن جهة قد يدعم الطلب على الفرنك كملاذ، ومن جهة أخرى قد تضغط المخاوف بشأن نمو الاقتصاد على العملة. في حال توجه البنك الوطني السويسري لخفض الفائدة أو العودة للفوائد السلبية، قد نشهد تراجعًا في قيمة الفرنك أمام الدولار واليورو على المدى المتوسط. - على أسواق الأسهم:
الشركات الصناعية والمصدرة، خاصة في قطاعات الميكانيكا الدقيقة والصناعات الدوائية، ستكون الأكثر تأثرًا بالرسوم الجمركية المرتفعة. استمرار هذه الرسوم لفترة طويلة قد يؤدي إلى تراجع هوامش الأرباح وربما نقل خطوط إنتاج إلى خارج سويسرا. - على السندات:
أي تحرك نحو تيسير السياسة النقدية (خفض الفائدة أو تسريع شراء الأصول) قد يدعم سوق السندات الحكومية السويسرية، مما يخفض عوائدها ويزيد من الطلب عليه، وبالتالي انخفاض قيمة الفرنك السويسري بشكل غير مباشر. - التوقع العام:
إذا تم التوصل لاتفاق خلال الأشهر القادمة وتم خفض التعريفات الجمركية إلى مستويات أقرب لـ 15%، قد نشهد انتعاشًا في الصادرات وعودة تدريجية للثقة في السوق، مما سيدعم الفرنك والأسهم السويسرية. أما إذا استمرت التوترات أو توسعت لتشمل قطاع الأدوية، فقد يتعرض الاقتصاد لضغوط انكماشية أعمق، وسنشهد تدخلًا أكثر قوة من البنك الوطن السويسري.

