العقود مقابل الفروقات هي أدوات معقدة وتنطوي على مخاطر عالية بخسارة الأموال بسرعة بسبب الرافعة المالية. يجب على المستثمرين التفكير جيدًا فيما إذا كانوا يفهمون كيفية عمل العقود مقابل الفروقات قبل الاستثمار. قد تتجاوز الخسائر الودائع.

بين باول والتضخم والتوترات… من سينتصر في معركة هذا الأسبوع: الدولار أم الذهب؟

author
عاصم منصور

شهدت الأسواق العالمية تقلبات حادة في نهاية الأسبوع الماضي بفعل تجدد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مما أدى إلى تراجع الدولار الأمريكي عن بعض مكاسبه وإقبال المستثمرين على الملاذات الآمنة كالذهب. يأتي ذلك أيضًا في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن البيانات الأمريكية نتيجة الإغلاق الحكومي الذي  أدى إلى تأجيل إصدار قراءات بعض المؤشرات الرئيسية. في هذا السياق، تدخل الأسواق أسبوع 13 – 17 أكتوبر 2025 بمزيج من الأحداث الاقتصادية المنتظرة التي قد ترسم ملامح التداول، أبرزها: بيانات سوق العمل بالمملكة المتحدة، وبيانات التجارة والتضخم في الصين، ونتائج مبيعات التجزئة الأمريكية، إلى جانب تصريحات مسؤولي البنوك المركزية ولا سيما الاحتياطي الفيدرالي والمركزي الأوروبي. سنستعرض فيما يلي أهم هذه الأحداث وتأثيراتها المحتملة على معنويات السوق وعلى الدولار الأمريكي والذهب والعملات الرئيسية (اليورو، الجنيه الإسترليني، الين الياباني، الدولار الكندي، الدولار الأسترالي، والدولار النيوزيلندي).

الولايات المتحدة الأمريكية: بيانات اقتصادية وتصريحات محافظ الاحتياطي الفيدرالي

image.png

هذا الأسبوع كانت الأنظار تفترض أن تتجه إلى بيانات التضخم الأمريكية لشهر مؤشر أسعار المنتجين، إلا أن حالة الجمود الحكومي في واشنطن تركت صدور هذه البيانات في مهب الريح. في ظل غياب اليقين بشأن إصدار المؤشرات الاققتصادية، سيحول المتداولون تركيزهم إلى بيانات أخرى يمكن أن تعطي إشارات حول صحة الاقتصاد واتجاه التضخم. من أبرزها مبيعات التجزئة لشهر سبتمبر المتوقع ارتفاعها بنحو 0.4% (شهريًا، وكذلك مبيعات التجزئة الأساسية (باستثناء السيارات) التي قد تسجّل نموًا مماثلًا معتدلًا. 

كما تحفل الأجندة الأمريكية بمؤشرات ثقة ونشاط اقتصادي قد تساعد في ملء فجوة البيانات الرسمية هذا الأسبوع. فصدور مؤشر NFIB لثقة الشركات الصغيرة يوم الثلاثاء سيظهر مدى تفاؤل الأعمال الصغيرة في ظل الظروف الحالية، خاصة بعدما استقر قرب 100 نقطة مؤخرًا وكذلك مؤشر إمباير ستيت للصناعات التحويلية (ولاية نيويورك) يوم الأربعاء الذي تحسّن الشهر الماضي بشكل مفاجئ وقد يظهر ما إذا كان قطاع التصنيع يواصل التعافي. وأخيرًا مؤشر فيلادلفيا الصناعي يوم الخميس الذي تراجع الشهر السابق من مستويات عالية (سجل 23.2 نقطة سابقًا وهبط إلى نحو 9 نقاط) أي استمرار التوسع ولكن بوتيرة أبطأ سيكون تحت المجهر لقياس زخم قطاع التصنيع في أكتوبر.

إلى جانب البيانات، يكثر هذا الأسبوع حديث مسؤولي الفيدرالي في مناسبات مختلفة، وعلى رأسهم جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي (يوم الثلاثاء)، بالإضافة إلى عدد من أعضاء اللجنة الفيدرالية (مثل وولر، بومان، بار، ميران وغيرهم) على مدار الأسبوع. أي نبرة تشدد أو تيسير في لهجة الفيدرالي قد تكون حاسمة لتوقعات السياسة النقدية. فإذا لمح باول أو زملاؤه إلى استمرار التضخم أعلى من الهدف وضرورة الإبقاء على معدلات الفائدة مرتفعة لفترة أطول، قد يتلقى الدولار الأمريكي دعمًا إضافيًا. بالمقابل، تلميحات إلى تزايد المخاطر الاقتصادية أو تباطؤ التضخم قد تفتح الباب أمام التكهن باقتراب خفض الفائدة في 2026، مما يضعف الدولار ويدعم الأصول المقومة به مثل الذهب.

حتى اللحظة، ورغم التقلبات الأخيرة، أنهى الدولار الأسبوع الماضي على ارتفاع إجمالي بدعم من توقعات الفائدة، لكنه تراجع مع نهاية الأسبوع مع تصاعد الذعر من النزاع التجاري الأميركي-الصيني ولكنه عاد للارتفاع من جديد هذا الأسبوع بعد تصريحات من ترامب أشار فيها إلى أنه من الممكن التوصل لاتفاق تجاري مع الصين. ردّة فعل الأسواق على أي بيانات أمريكية مفاجئة هذا الأسبوع ستكون قوية: فبيانات إنفاق المستهلك القوية (مثل مبيعات التجزئة) قد تعزز الدولار عبر رفع العوائد الأمريكية والتوقعات ببقاء التشديد النقدي، مما قد يضغط بالتالي على الذهب نزولًا. أما البيانات الضعيفة بشكل غير متوقع فستغذي الرهان على تباطؤ الاقتصاد وإمكانية تخفيف الفيدرالي لهجته، وهذا سيناريو سلبي للدولار لكنه إيجابي لأصول الملاذ الآمن. 

منطقة اليورو: معنويات المستثمرين وتراجع التضخم

في أوروبا، يترقب المستثمرون عددًا من المؤشرات التي تعكس وضع الاقتصاد الأوروبي واتجاه التضخم. البداية يوم الثلاثاء مع صدور مؤشر ZEW لمعنويات المستثمرين في ألمانيا ومنطقة اليورو. التوقعات كانت تشير إلى تحسّن ثقة المحللين والمستثمرين في ألمانيا للشهر الثاني على التوالي (من 37.3 إلى 41.7 نقطة) ، وربما انعكس الأمر في نتائج فعلية أفضل قليلًا من السابق. أي قراءة قوية من ZEW قد تعزى إلى انحسار بعض المخاوف (ربما لتحسن ظروف الطاقة أو هدوء في بعض الأزمات)، مما يوفر دعمًا لـ اليورو مؤقتًا عبر الإيحاء بأن التشاؤم الاقتصادي يتراجع. ومع ذلك، فإن البيانات الواقعية تظهر صورة أقل تفاؤلاً: الإنتاج الصناعي لمنطقة اليورو انكمش في آخر قراءة متاحة بحوالي %1.8- على أساس شهري رغم أنه كان من المتوقع أن يرتفع طفيفًا، مما يدل على أن النشاط الصناعي الأوروبي لا يزال يواجه صعوبات. كذلك من المقرر هذا الأسبوع صدور بيانات الميزان التجاري (الخميس) والتي قد توضح استمرار فائض تجاري متواضع (سجل الميزان التجاري السابق حوالي 5.3 مليار يورو) أي انخفاض مقارنة بالسنوات الماضية في ظل ضعف الصادرات وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

على جبهة التضخم الأوروبي، تصدر يوم الجمعة القراءة النهائية لمعدل التضخم السنوي في منطقة اليورو لشهر سبتمبر. التقديرات الأولية أظهرت تراجع معدل التضخم العام إلى نحو 2.2% سنويًا مع استقرار التضخم الأساسي قرب 2.3% ، وهو انخفاض ملموس يضعه عند أدنى مستوياته منذ ما قبل أزمة كورونا. تأكيد هذه الأرقام النهائية سيبرز نجاح حملة التشديد النقدي للمركزي الأوروبي في كبح التضخم نحو المستهدف. ورغم أن تراجع التضخم خبر إيجابي للاقتصاد عمومًا، إلا أنه يعني أيضًا أن البنك المركزي الأوروبي بات تحت ضغط أقل للإبقاء على الفائدة. لذلك أي تأكيد على انخفاض التضخم قد يرسخ توقعات إبقاء المركزي الأوروبي على الفائدة وربما التلميح لاحقًا إلى تخفيفها في 2026، مما قد يكبح ارتفاع اليورو نظرًا لاتساع فجوة العوائد مع الدولار الأمريكي. وفي هذا السياق تأتي كلمة رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد يوم الجمعة، والتي سيكون لها وزن في توجيه السوق. إذا أكدت لاغارد على الاستمرار في سياسة التقييد النقدي لفترة رغم نزول التضخم – ربما للحرص على تثبيت الأسعار – فقد يدعم ذلك اليورو. أما إن ركزت على مخاطر تباطؤ النمو وألمحت إلى موقف أكثر حذرًا، فسيُنظر إليه بوصفه ميلًا تشاؤميا (تيسيريًا) يضغط على اليورو. 

عمومًا، اليورو يتأثر هذا الأسبوع بعاملين متعاكسين: تحسن المعنويات وتراجع التضخم. تحسن ثقة المستثمرين ربما يدعم اليورو بعض الشيء، لكن ضعف البيانات الاقتصادية الأساسية واستبعاد رفع الفائدة الأوروبية مجددًا عوامل قد تحد من أي ارتفاع كبير. ولا ننسى أن اليورو كان قد تلقى دعمًا نهاية الأسبوع الماضي مع تراجع الدولار إثر التصعيد التجاري الأمريكي  الصيني، وبالتالي استمرارية هذا الدعم تعتمد على بقاء الدولار تحت الضغط وهدوء التوترات أو أي مفاجآت إيجابية أوروبية. في المقابل، أي تصعيد جديد في المخاطر العالمية قد يدفع المستثمرين للجوء إلى الدولار كملاذ نسبياً، مما يفرض ضغوطًا هبوطية على اليورو.

المملكة المتحدة: سوق العمل والنمو تحت المجهر

خلال هذا الأسبوع تتجه الأنظار في بريطانيا إلى تقرير سوق العمل الذي يصدر يوم الثلاثاء، يليه بيانات النمو لشهر أغسطس المقررة يوم الخميس. الجنيه الإسترليني عانى في الأسابيع الأخيرة من ضغوط بيع أوصلته لأدنى مستوياته في شهرين مقابل الدولار، وذلك تحت وطأة قوة الدولار العالمية والمخاطر السياسية والاقتصادية. ومع غياب أي بيانات بريطانية هامة الأسبوع الماضي، بات تقرير الوظائف البريطاني للفترة الثلاثية المنتهية في أغسطس حدثًا مفصليًا قد يحدد اتجاه الجنيه على المدى القريب.

سوق العمل البريطاني يظهِر علامات فتور تدريجي بعد فترة طويلة من بقوة. من المتوقع أن معدل البطالة استقر حول 4.7% في أحدث قراءة (مقابل 4.7% سابقًا) ، وهو معدل أعلى مما كان عليه قبل عام، مما يوحي بتخفف بسيط في شح العمالة. كذلك تشير التوقعات إلى استمرار تباطؤ نمو الأجور من المستويات المرتفعة المسجلة سابقًا؛ حيث يُقدّر نمو متوسط الدخل بحوالي 4.7% على أساس سنوي أيضًامعدل لا يزال يفوق هدف التضخم (2%) ولكن أقل كثيرًا من ذروة تجاوزت 8% شهدتها الأجور حين كان التضخم في أوجه. أي مفاجآت في بيانات الأجور أو البطالة ستنعكس سريعًا على توقعات بنك إنجلترا: فإذا جاء نمو الأجور أقل من المتوقع أو ارتفعت البطالة أكثر، فقد يعزز ذلك الرأي القائل بأن التضخم سيتراجع بوتيرة أسرع، وبالتالي لن يحتاج بنك إنجلترا لرفع الفائدة مجددًا. هذا السيناريو التيسيري قد يضعف الجنيه الإسترليني لأنه يعني احتمالية خفض الفائدة في وقت أقرب. أما إذا جاءت الأجور قوية واستمر معدل البطالة منخفضًا، فسيزداد الضغط على بنك إنجلترا للاستمرار بسياسة متشددة أو على الأقل تأخير أي تخفيض للفائدة، مما يقدم دعمًا للجنيه.

أما النمو الاقتصادي البريطاني، فيصدر يوم الخميس الناتج المحلي الإجمالي الشهري لشهر أغسطس. التوقعات كانت تشير إلى نمو طفيف جدًا بنحو 0.0% إلى 0.1% على أساس شهريبعد انكماش في يوليو، وقد أكدت النتائج بالفعل تحقيق نمو إيجابي ضئيل (%0.1 لشهر أغسطس) بما يشير لتجنب الاقتصاد الوقوع في الركود خلال الربع الثالث. كما تصدر بالتزامن مجموعة أرقام أخرى عن الإنتاج الصناعي وإنتاج التصنيع لشهر أغسطس والتي يبدو أنها سجلت ارتدادًا إيجابيًا (حوالي +0.2% بعد تراجعات حادة في الشهر السابق) ، إلى جانب ميزان التجارة السلعية الذي يُتوقع استمرار عجزه الكبير قرب 22 مليار- تحقيق نمو أعلى من المتوقع في أغسطس سيعطي بارقة أمل بأن الاقتصاد البريطاني ما زال صامدًا رغم الفائدة المرتفعة، وربما يخفف بعض الضغوط عن بنك إنجلترا فيما يخص كبح التضخم عبر تبريد الاقتصاد. لكن في الوقت نفسه، أي مفاجأة سلبية (مثل انكماش غير متوقع) ستثير المخاوف من دخول الاقتصاد البريطاني مرحلة ضعف أعمق، وهذا قد يؤدي لتراجع الإسترليني بفعل توقعات اتجاه البنك المركزي لتيسير السياسة لدعم النمو.

على صعيد السياسة النقدية، لا توجد قرارات لبنك إنجلترا هذا الأسبوع، لكن عدة أعضاء في لجنة السياسة النقدية ستكون لهم تصريحات يمكن أن تقدم إشارات هامة. فقد تحدثت العضوة كاثرين مان يوم الثلاثاء وتعود للحديث مجددًا يوم الجمعة، وكذلك سيتحدث هيو بيل كبير الاقتصاديين مساء الجمعة، إضافة لتصريحات أخرى من أعضاء مثل جرين ورامسدن خلال الأسبوع مان تعرف عادة بلهجتها المتشددة نسبيًا حيال التضخم، لذا أي إشارة منها لاستمرار القلق من ضغوط الأسعار قد تدعم الجنيه. بالمقابل، لهجة حذرة من مسؤولين آخرين حول تباطؤ النمو البريطاني أو تحسن توقعات التضخم قد تفهم على أنها تلميح لاقتراب ذروة أسعار الفائدة. إجمالاً، الجنيه الإسترليني سيعتمد أداؤه هذا الأسبوع على مزيج بيانات الوظائف والنمو وتصريحات بنك إنجلترا  حيث يمكن لهذه العوامل إما تعزيز ثقة الأسواق في متانة الاقتصاد البريطاني فترتفع العملة، أو تأكيد مخاوف التباطؤ مما يفاقم ضعف الإسترليني القائم

اليابان: الين وتدفقات الملاذ الآمن

لم يكن جدول هذا الأسبوع مزدحمًا بالبيانات من اليابان، لكن ذلك لا يقلل من أهمية متابعة تحركات الين الياباني في ضوء تطورات الأسواق العالمية. خلال الفترة الأخيرة، شهد الين تراجعًا كبيرًا واقترب من مستويات تاريخية في الضعف (تخطى الدولار عتبة 153 ين لكل دولار)، مما أثار الكثير من التكهنات حول تدخل السلطات اليابانية لوقف انزلاق العملة.. فقد صرحت ساناي تاكايتشي (الزعيمة الجديدة للحزب الحاكم في اليابان) مطلع الأسبوع بأنها "لا تنوي التسبب في إضعاف مبالغ فيه للين" في إشارة منها إلى أنها لا تؤيد استمرار انخفاض العملة بشكل مفرط. وألمحت أيضًا إلى أن لوصول الين إلى مستويات حرجة (مثل 155) عواقب سلبية وقد يستدعي تحركًا قويًا من المسؤولين. هذه التصريحات وغيرها بعثت برسالة واضحة للأسواق: السلطات اليابانية غير مرتاحة لانخفاض الين المتسارع وربما نشهد تدخلًا لفظيًا أو فعليًا إذا استمرت الضغوط على العملة.

من جهة البيانات الاقتصادية اليابانية، لا توجد هذا الأسبوع مؤشرات رئيسية عالية التأثير (صدرت أرقام ثانوية مثل طلبات الماكينات الأساسية التي سجلت ارتفاعًا طفيفًا 0.5% بعد هبوط كبير سابق، وكذلك الإنتاج الصناعي المعدّل الذي تأكد انخفاضه 1.2% في آخر قراءة. غياب بيانات قوية يعني أن تحركات الين ستكون مرهونة بالعوامل الخارجية وبشهية المخاطرة لدى المستثمرين عالميًا. في بيئة مخاطر مرتفعة (سواء ناجمة عن تصعيد الحرب التجارية أو توترات جيوسياسية متصاعدة)، من المعتاد أن الين يرتفع بفعل وضعه كملاذ آمن تاريخي. بالفعل، أي تدهور مفاجئ في شهية المخاطرة قد يدفع المستثمرين لتقليص مراكزهم في عملات ذات عائد أعلى واللجوء إلى الين، مما يمنح العملة اليابانية قوة ارتدادية وربما حادة نظرًا لوضعها مقوَمة بأقل من قيمتها حاليًا. على الجانب الآخر، إذا ساد الهدوء النسبي وزادت العوائد الأمريكية (بدعم بيانات قوية أو تصريحات متشددة من الفيدرالي)، فقد يعود الضغط على الين نتيجة اتساع الفارق في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة. ولكن حتى في هذه الحالة، ستظل الأسواق حذرة من أي تدخل ياباني؛ فكلما اقترب الدولار/ين من نطاق 155، تزداد احتمالات تحرك وزارة المالية اليابانية، ما يجعل بيع الين في تلك المستويات محفوفًا بالمخاطر.

خلاصة القول، الين الياباني هذا الأسبوع قد يكون البوصلة لمزاج السوق العام ارتفاعه سيشير غالبًا إلى ميل نحو تجنب المخاطر (Risk-Off) وانتعاش الملاذات الآمنة، في حين أن استمرار ضعفه سيعكس هيمنة عوامل ارتفاع العوائد وتفضيل الأصول ذات العائد الأعلى. وسيكون لمتابعي الأسواق رصد دقيق لأي تعليقات من مسؤولي بنك اليابان أو وزارة المالية خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي وغيرها، تحسبًا لأي تلميح بتدخل رسمي يمكن أن يحرك الين بشكل مفاجئ.

الصين وبقية آسيا: التجارة والتضخم في بؤرة الاهتمام

يحمل مطلع الأسبوع إشارات مهمة من الشرق، حيث صدرت بيانات التجارة الخارجية الصينية لشهر سبتمبر يوم الاثنين وجاءت لترسم ملامح الطلب العالمي والمحلي في ثاني أكبر اقتصاد بالعالم. أظهرت الأرقام تحسنًا نسبيًا في الصادرات الصينية على أساس سنوي  قدرته التوقعات بحوالي +6.7%  مما يشير إلى بعض التعافي مقارنة بالأشهر السابقة التي شهدت تراجعات. بالمقابل، ارتفعت الواردات الصينية أيضًا بوتيرة تسببت في انكماش الفائض التجاري الشهري سجل الميزان التجاري باليوان حوالي 645 مليار مقابل 733 مليار في الشهر السابق. تفسير ذلك قد يكون عودة انتعاش الطلب المحلي الصيني على السلع المستوردة  وهو تطور إيجابي للشركاء التجاريين للصين  لكنه يعني أيضًا أن مساهمة التجارة الخارجية الصافية في النمو الصيني باتت أقل. رد فعل الأسواق على هذه البيانات جاء متباينًا؛ فمن ناحية، تحسّن الصادرات يدعم عملات السلع كالدولار الأسترالي والنيوزيلندي باعتبار الصين سوقًا رئيسية لهما، لكن تقلص الفائض قد يُفسَّر أيضًا بكون الاقتصاد الصيني لا يزال يواجه تحديات (خاصة إذا كان نمو الصادرات دون المتوقع). عمومًا، وفرت بيانات التجارة نبرة تفاؤل حذرة مع بداية الأسبوع في آسيا وحددت اتجاهًا أوليًا إيجابيًا بشكل معتدل لمعنويات المستثمرين العالميين

في منتصف الأسبوع، تتحول الأنظار إلى مؤشرات الأسعار في الصين التي تعكس مدى سلامة الاقتصاد الداخلي. فقد صدر يوم الأربعاء معدل التضخم (CPI) لشهر سبتمبر في الصين ليظهر استمرار الانكماش السعري (انكماش الأسعار) على أساس سنوي بنحو 0.2%- ورغم بقاء الرقم في النطاق السالب للشهر الثاني على التوالي، إلا أنه كان أقل سلبية من الشهر السابق (-0.4%) ما قد يوحي بأن الصين تقترب من الخروج من حالة التضخم السلبي. أما مؤشر أسعار المنتجين (PPI) فلا يزال عالقًا في الانكماش أيضًا بحوالي 2.3%- سنويًا – نتيجة ضعف الطلب العالمي والمحلي على السلع الصناعية  لكنه تحسّن عن الشهر الماضي (-2.9%). استمرار الضغوط الانكماشية في الصين يثير تساؤلات حول حاجتها لمزيد من التحفيز النقدي والمالي لتحريك عجلة الأسعار والنمو. بالنسبة للأسواق العالمية، تُعتبر بيانات التضخم الصينية المنخفضة سيفًا ذو حدين: فهي من جانب تعني تكاليف تصدير أقل وضغطًا منخفضًا على أسعار السلع عالميًا (وهذا إيجابي لتخفيف التضخم العالمي)، لكنها في الوقت نفسه تعكس ضعف الطلب الداخلي واحتمال تباطؤ ثاني أكبر اقتصاد عالمي بشكل يؤثر سلبًا على الطلب العالمي على السلع الأساسية. هذه المعادلة أثّرت مباشرة على عملات كالدولار الأسترالي والدولار النيوزلندي التي كثيرًا ما تُتخذ كمؤشر على شهية المخاطرة تجاه الصين؛ فاستمرار انكماش الأسعار هناك قد يحدّ من ارتفاع الدولار الأسترالي والنيوزيلندي رغم بعض التحسن الأخير، إلا إذا تزايدت رهانات تدخل بكين بحزم تحفيزية أقوى لدعم الاقتصاد.

على نطاق أوسع آسيويًا، لدينا أيضًا هذا الأسبوع اجتماعات صندوق النقد الدولي في مراكش التي تمتد طيلة الأسبوع، ويجتمع خلالها صناع السياسات ومن ضمنهم مسؤولون آسيويون. قد تصدر عن تلك الاجتماعات تقييمات للنمو العالمي والصيني تؤثر على الأسواق، ولو أن التركيز الأساسي يبقى على البيانات الملموسة. 

في المحصلة، معنويات السوق تجاه آسيا هذا الأسبوع ستتشكل بناءً على مدى نجاح البيانات الصينية في طمأنة المستثمرين. فإذا أظهرت التجارة والتضخم في الصين إشارات استقرار وتحسن طفيف، قد يرتفع التفاؤل الحذر ويرتد معه الدولار الأسترالي والنيوزيلندي من قيعانها التي بلغتها عقب تصاعد التوتر التجاري الأمريكي-الصيني (حيث كان الأسترالي الأكثر تضررًا بهبوط 1.3% يوم الإعلان عن الرسوم. أما إذا خيّبت البيانات الآمال أو ظهرت أنباء سلبية جديدة من الصين (كزيادة مشاكل قطاع العقارات أو تشديد تنظيمي يضر الشركات)، فسيعود الضغط على عملات السلع وربما نرى تدفقًا نحو الملاذات كارتفاع في الين والفرنك السويسري وتراجع الأسهم الآسيوية.

أستراليا : توجهات السياسة النقدية وبيانات التوظيف

يعد الدولار الأسترالي من أكثر العملات الرئيسية حساسية للأخبار القادمة من الصين وللتقلبات في شهية المخاطرة، وقد برهن ذلك نهاية الأسبوع الماضي عندما كان العملة الأكثر تضررًا من صدمة الرسوم التجارية الأمريكية الجديدة على الصين. تراجع الزوج الأسترالي دولار  يومها بأكثر من 1.3% إلى أدنى مستوى في ستة أسابيع مع هروب المستثمرين من عملات السلع نحو الأمان. هذا الأسبوع يمنح الأسترالي فرصة لإعادة تقييم مساره عبر معطيات محلية مهمة قد توقف نزيفه إذا جاءت إيجابية.

الحدث الأبرز لأستراليا يأتي فجر الخميس مع صدور تقرير الوظائف لشهر سبتمبر. يتوقع المحللون إضافة نحو 20 ألف وظيفة جديدة خلال الشهر، لتعويض فقدان مفاجئ بحوالي 5 آلاف وظيفة في أغسطس. كما يُنتظر ارتفاع معدل البطالة قليلاً من 4.2% إلى 4.3% تقريبًا، مما سيؤكد الاتجاه التصاعدي البطيء للبطالة من أدنى مستوياتها. إذا جاء التوظيف أقوى بكثير من المتوقع (على سبيل المثال ارتفاع التوظيف بأكثر من 40 ألف أو تراجع البطالة إلى 4.1%) فسيُظهر ذلك أن سوق العمل الأسترالي ما زال متينًا، وقد يدفع ذلك بنك الاحتياطي الأسترالي لإبقاء خيار رفع الفائدة واردًا لكبح التضخم، وبالتالي سيلقى الدولار الأسترالي دعمًا ملحوظًا. بالمقابل، لو صدرت أرقام مخيبة  كأن يكون النمو الوظيفي ضعيفًا أو ترتفع البطالة أعلى من 4.3% . هذا السيناريو سيُضعف الأسترالي أكثر، خاصة أنه يأتي بعد سلسلة تراجعات سببها عوامل خارجية مؤخراً. بشكل عام، تماسك بيانات التوظيف ضمن التوقعات على الأقل ضروري للحفاظ على استقرار نسبي للأسترالي وعدم عودته لاختبار قيعان جديدة.

الذهب: بريق الملاذ الآمن تحت الأضواء

image.png

يواصل الذهب تربّعَه على عرش الملاذات الآمنة هذا الأسبوع بعدما حقق مكاسب قوية ولامس مستويات قياسية تاريخية مع بداية الأسبوع الجاري. في الأسبوع الماضي، دفع مزيج من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية بأسعار الذهب إلى أعلى من 4080 دولار للأونصة للمرة الأولى على الإطلاق. فعلى خلفية صدمة الرسوم الأمريكية المفاجئة على الصين وما أثارته من مخاوف حول النمو العالمي، قفز الذهب حوالي 1% يوم الجمعة وحده بينما تهاوت الأسهم وعوائد السندات الأمريكية. كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية يزيد من جاذبية الذهب كأصل دفاعي لحفظ القيمة في أوقات عدم اليقين.

يدخل الذهب أسبوع 13-17 أكتوبر وهو مدعوم بـعاملين رئيسيين: أولهما المخاطر العالمية المرتفعة (سواء التجارية بين واشنطن وبكين أو الجيوسياسية) والتي تعزّز الطلب على الأصول الآمنة، وثانيهما التوقعات بتيسير نقدي مستقبلي من البنوك المركزية الكبرى مع انحسار التضخم تدريجيًا. فالأسواق باتت تراهن على أنه مع تباطؤ الاقتصاد الأمريكي المتوقع وعودة التضخم نحو المستويات المستهدفة، سيضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تخفيف قبضته النقدية في 2026. هذه التوقعات تغذي شهية المستثمرين للذهب لأن السياسة النقدية الميسرة تعني عوائد حقيقية أقل (أو حتى سالبة) على النقد والسندات، مما يجعل الاحتفاظ بالذهب (الذي لا يدر عائداً) أكثر جاذبية نسبياً. بالفعل، أحد أسباب صعود الذهب إلى هذه المستويات القياسية هو أن عوائد السندات الأمريكية تراجعت عن ذروتها مؤخراً مع تغيير التوقعات تجاه الفيدرالي، بالتزامن مع زيادة التقلبات في أسواق الأسهم والعملات.

هذا الأسبوع، ستتمحور تحركات الذهب حول ما إذا كانت الأحداث المنتظرة ستؤكد أو تناقض هذه العوامل الداعمة. فإذا جاءت البيانات الأمريكية (مثل مبيعات التجزئة) أضعف من التوقعات وأظهر مسؤولو الفيدرالي نبرة حذرة، فمن المرجح أن يستمر ضعف الدولار وتهدأ العوائد على سندات الخزانة، مما يمهد لموجة صعود جديدة للذهب أو على الأقل يحافظ على مكاسبه الحالية. وقد نرى الذهب يختبر مجدداً قمم الأسبوع الماضي وربما يتجاوز $4100 للأونصة إذا تضافرت إشارات تيسيرية عدة مع استمرار المخاوف العالمية. أما في حال فاجأت البيانات بقوتها (مثلاً مبيعات تجزئة مرتفعة تشير لبقاء الاقتصاد ساخناً) أو صدر عن الفيدرالي ما يعيد تسعير احتمال الإبقاء على الفائدة لفترة أطول من الوقت، فقد يرتد الدولار صعوداً ومعه ترتفع العوائد مجدداً، وبالتالي يتعرض الذهب لضغوط بيعية لجني الأرباح. لكن حتى في هذا السيناريو، من المتوقع ألا يهبط الذهب بعيداً عن مستوياته التاريخية؛ فكل انخفاض كبير في سعره سيقابَل على الأرجح بطلب قوي من المشترين الذين فاتتهم موجة الصعود السابقة والذين لا يزالون يرون في الذهب تحوطاً أساسياً في المحافظ الاستثمارية.

عامل آخر لصالح الذهب هو الطلب الفعلي والمركزي: تشير التقارير إلى استمرار البنوك المركزية (خاصة في الأسواق الناشئة) بشراء الذهب لتعزيز احتياطياتها كتنويع بعيدا عن الدولار. كذلك يواصل المستثمرون المؤسسيون ضخ الأموال في صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب عند كل توتر جديد. لذا يمكن القول إن شهية الشراء الكامنة توفر أرضية صلبة تحت الأسعار. في المقابل، يبقى ارتفاع الذهب السريع مدعاة لبعض الحذر، إذ قد نشهد جولات تصحيح فنية إذا ما هدأت الأخبار السلبية لفترة وجيزة.

في المحصلة، يبدو مشهد الذهب هذا الأسبوع وكأنه اختبار للمدى الذي قد يبلغه بريق الملاذ الآمن. فاستمرار الأوضاع الضبابية عالمياً سيحافظ على جاذبيته وربما يدفعه إلى ارتفاعات غير مسبوقة أخرى، خصوصاً وأن توقعات السياسة النقدية الأميركية بدأت تميل لصالحه. أما إذا حدث انفراج مفاجئ في جبهة من الجبهات (كتهدئة ملحوظة في حرب الرسوم الجمركية) فمن المحتمل أن يتراجع الطلب عليه مؤقتاً مع تحول الأموال نحو الأصول الخطرة. وحتى يحين ذلك، يبقى الذهب في وضع فني قوي يدعمه اتجاه صاعد، مما يجعل أي هبوط تصحيحي فرصة محتملة للمستثمرين الراغبين بالشراء على المدى المتوسط. وتظل النظرة الشرائية قائمة طالما استقرت الأسعار فوق المستوى 4027 دولار للأونصة. 

ختامًا

يتضح من استعراض الأحداث أعلاه أن الأسبوع الحالي حافل بالمتغيرات التي قد تدفع الأسواق المالية في اتجاهات مختلفة. فالدولار الأمريكي الذي كان الرابح الأكبر بالأسبوع الماضي – يدخل المرحلة القادمة وقد خسر بعض زخمه الدفاعي بسبب مستجدات النزاع التجاري، مما يفتح الباب لتقلب أعلى في سعره رهنًا بالبيانات والتصريحات المنتظرة. في المقابل، اكتسبت عملات وملاذات منافسة (كالـيورو والذهب) قوة نسبية مع بداية الأسبوع. التوترات التجارية والجيوسياسية ستبقى عاملًا مهيمنًا يلقي بظلاله على جميع الأسواق: فأي تصعيد جديد في حرب الرسوم بين واشنطن وبكين  أو تعثر في محادثاتها  من شأنه زيادة نزعة العزوف عن المخاطرة لدى المستثمرين، وهذا سيناريو سيصب في مصلحة الين والفرنك السويسري والذهب بينما يضر بالعملات المرتبطة بالنمو العالمي كالأسترالي والنيوزيلندي وربما الجنيه الإسترليني. وعلى العكس، أي انفراجة أو تهدئة في الخطاب التجاري (مثل تراجع أمريكي عن بعض التهديدات كما لمح الرئيس ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي قد تعيد بعض الثقة وتخفف الإقبال على الملاذات، فترتفع حينها العملات المهملة مؤخرًا.

معنويات السوق عمومًا ستتأرجح بين البيانات الاقتصادية التي ترسم ملامح الاتجاه الأساسي للاقتصاد، وبين الأخبار المفاجئة التي تحرك الاتجاهات قصيرة المدى. ومن المرجح أن نشهد تذبذبًا عاليًا عبر مختلف الأصول هذا الأسبوع، حيث سيسعى المتداولون لالتقاط أي إشارة من الأرقام أو التصريحات لفهم الصورة الكبيرة: هل سيستمر الاقتصاد الأمريكي قوياً مما يبقي الفيدرالي متأهبًا؟ هل يدخل الاقتصاد الأوروبي والبريطاني في مرحلة تباطؤ حاد أم يحقق هبوطًا ناعمًا؟ هل تواصل الصين دعم اقتصادها لتجنب الركود؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستتبلور تدريجيًا مع توالي الأحداث المدرجة في المفكرة الاقتصادية.

في غضون ذلك، ننصح المتعاملين بتحري الحيطة وإدارة مخاطرهم بعناية خلال التداول هذا الأسبوع. فمن الحكمة مراقبة سلوك السوق لحظة صدور المؤشرات الأساسية  مثل مبيعات التجزئة الأمريكية أو بيانات التوظيف البريطانية  لتقييم ردة فعل الأسعار مقارنةً بالتوقعات. أيضًا، ينبغي الانتباه إلى تصريحات صناع السياسات أثناء مؤتمراتهم وجلساتهم (خاصة حديث جيروم باول ولاجارد وبايلي) لأنها قد تحمل تلميحات توجه حركة العملات مباشرة. وأخيرًا، يبقى تنويع المراكز ووضع أوامر وقف الخسارة استراتيجية ضرورية في ظل هذه البيئة غير المستقرة، حيث يمكن لعناوين الأخبار أن تقلب موازين السوق بسرعة. إجمالاً، يبدو أننا أمام أسبوع مفصلي قد يمهد لتحولات مهمة في توجهات الدولار وبقية العملات والسلع، مما يستوجب متابعة لصيقة لكل جديد والتفاعل بحذر ومرونة مع معطياته.

 

إبدأ فى 3 خطوات

  • 1

    سجل

    حسابك بسهولة

  • 2

    التحقق من هويتك

    لضمان الأمان

  • 3

    التمويل والتداول

    انطلق في عالم تداول العقود مقابل الفروقات

إبدأ اليوم

تمويل سريع وآمن

ابدأ التداول خلال دقائق عن طريق اختيار إحدى طرق التمويل الآمنة العديدة لدينا

Bank transfer indicating deposits and withdrawals via bank transfers || خيار التحويل البنكي الذى يشير إلى الإيداعات و السحوبات عبر التحويلات البنكية
STICPAY indicating deposits and withdrawals via e-wallets || محفظة STICPAY إلكترونية تشير إلى الإيداعات و السحوبات عبر المحافظ الإلكترونية
Credit card Trther indicating deposits and withdrawals via credit cards ||  بطاقات ائتمان Tether تشير إلى السحوبات و الإيداعات عبر بطاقات الائتمان