خطر صامت في سوق السندات البريطانية… وصناديق التحوط في قلب العاصفة
أصدر بنك إنجلترا (BOE) تحذيرات جديدة بشأن ارتفاع المخاطر المرتبطة باستراتيجية استثمارية مربحة ومستخدمة بكثافة من قبل صناديق التحوط تعرف باسم "الـ Basis Trade" وهي تداولات قائمة على استغلال الفروقات السعرية بين السندات الحكومية البريطانية (Gilts) وعقودها المستقبلية.
وتحذيرات البنك تأتي في ظل توسع كبير في الاقتراض من سوق الريبو، ما يهدد بحدوث عمليات "تسييل إجباري" (Forced Deleveraging) يمكن أن تحدث اضطرابات عنيفة في سوق السندات البريطانية.
أولًا: ما هو الـ Basis Trade؟
الـ Basis Trade هو استراتيجية Arbitrage (مراجحة سعرية) تعتمد على استغلال فروقات صغيرة بين السعر الفعلي للسند الحكومي وسعر العقد المستقبلي المقابل له.
تتضمن الآلية:
- شراء السند الحكومي (Gilt) باستخدام رافعة مالية ضخمة عبر سوق الريبو
- ثم بيع العقد المستقبلي (Gilt Futures) على نفس السند
- بهدف تحقيق ربح بسيط من الفارق بعد تسوية المراكز
هذه الاستراتيجية منخفضة الأرباح لكنها تكون عالية عندما يتم استخدام رافعة مالية ضخمة، مما يجعلها مربحة فقط عند استخدام رافعة مالية كبيرة (Leverage).
ثانيًا: لماذا تعتبر هذه الاستراتيجية خطرة؟
على رغم أنها تبدو آمنة نسبيًا نظريًا، إلا أنها تحمل 3 مخاطر رئيسية:
1. الرافعة المالية المفرطة (Excessive Leverage)
أغلب صناديق التحوط تمول شراء السندات عبر الاقتراض بالريبو.
وقد ارتفع صافي الاقتراض في نوفمبر إلى 100 مليار جنيه إسترليني أعلى مستوى تاريخي على الاطلاق.
2. تركز المراكز بيد عدد قليل من الصناديق
وفقًا لبنك إنجلترا:
- نحو 90% من صافي الاقتراض يأتي من عدد محدود للغاية من صناديق التحوط
- 60% من هذه المراكز تديرها صناديق مقرها الولايات المتحدة
هذا التركز يعني أن أي صدمة قد تدفع هذه الصناديق إلى التخارج في نفس الوقت، ما قد يسبب انهيارًا سريعًا في أسعار السندات.
3. خطر “التسييل الاجباري”
إذا فقد السوق التوازن أو حدثت حركة مفاجئة في الأسعار:
- تضطر الصناديق لبيع السندات فورًا لإغلاق مراكزها
- ينتج عن ذلك بيع كثيف أو Fire Sale
- هذا يؤدي إلى هبوط حاد في أسعار السندات وزيادة العوائد
- ويخلق حلقة تغذية عكسية خطرة (Feedback Loop)
وهو سيناريو مشابه للأزمة التي حدثت في سبتمبر 2022 خلال أزمة صناديق التقاعد البريطانية.
ثالثًا: لماذا يراقب بنك إنجلترا هذه المخاطر الآن؟
هناك عدة أسباب:
1. ارتفاع الاقتراض عبر الريبو لمستويات قياسية
بلغ صافي الاقتراض:
- 100 مليار جنيه في نوفمبر
- مقارنة بـ 77 مليار فقط في يونيو
2. تنامي نشاط صناديق التحوط في سوق السندات
السوق أصبح حساسًا لمخاطر المؤسسات غير المصرفية (NBFIs)، التي تعمل خارج الأطر التنظيمية التقليدية.
3. ضعف الشفافية في سوق الريبو
بنك إنجلترا اعتبر أن "غياب الشفافية" (Opacity) في بعض أجزاء سوق الريبو يعوق قدرته على تقييم المخاطر بشكل دقيق.
رابعًا: مقترحات بنك إنجلترا التنظيمية وردود الفعل
سبق أن قدم بنك إنجلترا مقترحًا بفرض:
حد أدنى للهامش (Minimum Haircut Rule)
وهي قاعدة تقلل كمية الرافعة المسموح بها في عمليات الريبو، بهدف:
- تقليل المخاطر النظامية
- منع تراكم مراكز ضخمة قد تنهار فجأة
لكن جماعات الضغط المالية رفضت هذا المقترح، معتبرة أنه:
- يقلل من السيولة
- يرفع تكاليف التداول
- ويضر بوظيفة سوق السندات
خامسًا: كيف قد تنتقل هذه المخاطر إلى السوق المالي الأوسع؟
1. ارتفاع عوائد السندات بشكل مفاجئ
البيع القسري يؤدي إلى رفع تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات
2. ضغوط على الجنيه الإسترليني
انخفاض الثقة بالأسواق البريطانية
3. اضطرابات في أسواق الأسهم
خاصة القطاعات الحساسة للفائدة
4. تكرار سيناريو 2022
عندما انهارت سوق السندات بسبب استراتيجية الـ Liability-Driven Investment في صناديق التقاعد
سادسًا: نظرة بنك إنجلترا المتوازنة
على الرغم من التحذيرات، أكد البنك أن صناديق التحوط:
- تلعب دورًا مهمًا في تحسين السيولة
- وتساعد في عملية تحديد الأسعار
لكن الخطر يكمن في:
“إذا اضطرت هذه الصناديق للتخلص من مراكزها في نفس الوقت، فسوف تتضخم حركة السوق بشكل عنيف.”
يشير الوضع الحالي إلى أن نمو مراكز الـ Basis Trade يمثل عامل خطر متزايد في سوق السندات البريطانية، خاصة مع ارتفاع الرافعة المالية وتركز المراكز لدى عدد قليل من الصناديق الكبرى.
بينما يرى بنك إنجلترا أن هذه الأنشطة تدعم سيولة السوق، فإنه يحذر من احتمالية حدوث اضطراب مفاجئ قد يؤدي إلى تراجع حاد في السندات وارتفاع حاد في العوائد، وهو سيناريو قد تكون له تداعيات واسعة على النظام المالي البريطاني، وقد يؤدي إلى هبوط الجنيه الإسترليني بقوة خلال الأيام القادمة إذا لم يتدخل بنك إنجلترا لخفض هذه المخاطر.

