البنك المركزي الأوروبي يراهن على متانة الاقتصاد، هل يكتسب اليورو قوة أم يدخل مرحلة انتظار؟
وأبقى البنك على سعر فائدة الإيداع عند 2%، فيما استقر سعر الفائدة على عمليات إعادة التمويل الرئيسية عند 2.15%، وسعر تسهيلات الإقراض الهامشي عند 2.40%. ويعكس هذا القرار نهجًا حذرًا يعتمد على البيانات، في ظل اقتراب التضخم من مستهدف البنك البالغ 2%.
نمو أقوى من المتوقع رغم الضغوط الخارجية
أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة أن اقتصاد منطقة اليورو تمكن من امتصاص أثر الرسوم الجمركية الأمريكية بشكل أفضل من التوقعات السابقة. وعلى الرغم من استمرار هذه الرسوم في الضغط على الصادرات، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث تمت مراجعته بالرفع إلى 0.3%، متجاوزًا تقديرات السوق.
كما دفع هذا الأداء الإيجابي البنك المركزي الأوروبي إلى رفع توقعاته لنمو الاقتصاد في عام 2025 إلى 1.4% مقارنة بتقدير سابق بلغ 1.2%، في استمرار لسلسلة من المراجعات الصعودية بدأت منذ سبتمبر.
سوق العمل والطلب المحلي يدعمان الاستقرار
رغم أن القطاع الصناعي لا يزال يمثل نقطة ضعف واضحة، خصوصًا في ألمانيا، فإن سوق العمل في منطقة اليورو يواصل إظهار متانة ملحوظة، إلى جانب استقرار الطلب المحلي. كما ساهم التوسع في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في دعم النشاط الاقتصادي وتحسين معنويات الشركات.
وتشير مؤشرات الثقة إلى أن هذا الزخم قد يستمر خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تحسن الإنفاق الاستثماري وتزايد الاهتمام بالإنتاجية والابتكار.
آفاق 2026, دعم مالي إضافي من ألمانيا
بالنظر إلى عام 2026، من المتوقع أن يشكل الإنفاق الألماني المرتقب على الدفاع والبنية التحتية عامل دعم إضافي للنمو، بعد قرار رفع قيود كبح الديون. هذا التحول في السياسة المالية الألمانية قد يلعب دورًا محوريًا في تعزيز النشاط الاقتصادي على مستوى منطقة اليورو ككل.
وفي هذا السياق، صرحت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد بأن اقتصاد المنطقة بات قريبًا من طاقته الكامنة، مع تأكيدها على أن تحسين الإنتاجية يظل التحدي الأكبر أمام أوروبا في السنوات المقبلة.
هل نشهد رفعًا للفائدة في 2026؟
قبل صدور قرار تثبيت الفائدة، تصاعدت التكهنات في الأسواق بشأن إمكانية رفع الفائدة خلال عام 2026. وجاء ذلك مدفوعًا بتصريحات عضو المجلس التنفيذي إيزابيل شنابل، التي أشارت إلى أن مخاطر التضخم باتت تفوق مخاطر التباطؤ الاقتصادي، خصوصًا مع استمرار قوة تضخم الخدمات ونمو الأجور.
في المقابل، عبر أعضاء آخرون في المجلس، مثل فرانسوا فيليروي دي جالو، عن رؤية أكثر حذرًا، مؤكدين أن مخاطر انخفاض التضخم لا تزال قائمة، وأن البنك لن يسمح بانحراف دائم دون مستهدفه البالغ 2%.
التضخم ضمن النطاق المستهدف
بلغ معدل التضخم 2.1% في نوفمبر، ولا يزال قريبًا من هدف البنك منذ بداية عام 2025، مدعومًا بشكل أساسي بارتفاع أسعار الخدمات. وتشير توقعات المركزي الأوروبي إلى:
يبلغ متوسط التضخم 2.1% في 2025
ينخفض إلى 1.9% في 2026
ثم إلى 1.8% في 2027
قبل أن يعود إلى 2% في 2028
كما يتوقع أن يساهم تأجيل تطبيق نظام تسعير الكربون الجديد (ETS2) في الحد من الضغوط التضخمية مستقبلًا.
قرار تثبيت الفائدة يعكس توازنًا دقيقًا بين الاعتراف بمرونة الاقتصاد الأوروبي وبين الحذر من مخاطر التضخم المستقبلية. وفي ظل تباين السياسات النقدية عالميًا، لا سيما بعد خفض الفائدة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يواصل البنك المركزي الأوروبي تبني نهج حيادي قائم على البيانات واجتماع باجتماع.
وبينما تبدو احتمالات رفع الفائدة في 2026 قائمة ولكن غير محسومة، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن السياسة النقدية الأوروبية دخلت مرحلة الترقب الاستراتيجي، بانتظار ما ستسفر عنه تطورات النمو والتضخم خلال الفترة المقبلة.
قرار البنك المركزي الأوروبي تثبيت أسعار الفائدة يعكس ثقة واضحة في صلابة اقتصاد منطقة اليورو، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح اليورو دفعة قوية فورية. من وجهة نظري، التأثير الأساسي للقرار على العملة الأوروبية هو الاستقرار أكثر من الزخم. فاليورو يستفيد من تحسن توقعات النمو ومرونة سوق العمل، إلا أن غياب إشارة صريحة نحو تشديد نقدي إضافي يبقي العملة في نطاقات تداول محدودة.
على المدى القصير، أتوقع أن يواصل اليورو التحرك العرضي مقابل الدولار، متأثرًا بشكل أكبر بتطورات السياسة النقدية الأمريكية والفارق في العوائد بين الجانبين. أما على المدى المتوسط، فإن استمرار تحسن النمو الأوروبي، إلى جانب احتمالات الإبقاء على الفائدة في 2026 إذا استمر تضخم الخدمات ونمو الأجور، قد يشكل عامل دعم تدريجي لليورو.

