أسعار النفط تسجل قمة جديدة وسط ترقب دبلوماسي: هل تنهي مفاوضات جنيف علاوة المخاطر؟
على الرغم من الأجواء الدبلوماسية المكثفة التي تخيم على الأسواق والآمال المعقودة على جولة المفاوضات القادمة، سجلت أسعار النفط قفزة قوية ومفاجئة في تعاملاتها الأخيرة، متجاهلة مؤشرات التهدئة المؤقتة.
فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 62 سنتاً، أو ما يعادل 0.9%، لتستقر عند 72.38 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قياسي جديد يمثل ذروة لم تشهدها الأسواق منذ ستة أشهر كاملة. ولم يكن خام غرب تكساس (WTI) بمعزل عن هذا الزخم الصعودي، حيث حقق مكاسب بلغت 69 سنتاً أو بنسبة 1% ليصل إلى 67.17 دولاراً.
ويعكس هذا التذبذب الحاد والنمو السعري حالة من "عدم اليقين" المستعصي لدى المتداولين؛ إذ يبدو أن الأسواق تعاني من صراع داخلي مرير بين التفاؤل الحذر بالمسار الدبلوماسي في جنيف وبين التحركات العسكرية الميدانية المتصاعدة على الأرض، مما يغذي الشكوك في قدرة الدبلوماسية وحدها على نزع فتيل الأزمة قبل حدوث اضطراب حقيقي في تدفقات الخام.
محاور المفاوضات في جنيف: جولة ثالثة تحت مجهر الأسواق
أعلن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، عن ترتيبات لعقد جولة ثالثة من المحادثات في جنيف يوم الخميس المقبل. وتلعب مسقط دور الوسيط المحوري لتقريب وجهات النظر المتباعدة بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي الخاص لشرق الأوسط ستيف ويتكوف. وتكتسب هذه الجولة أهمية مضاعفة كونها تأتي بعد فترة من الجمود والتوتر المتصاعد.
وتتركز النقاط الجوهرية للمفاوضات حول ثلاثة ملفات شائكة:
الملف النووي وتعقيدات التخصيب: تتبنى إدارة ترامب استراتيجية "الضغط الأقصى" مجدداً، مُصرّة على سياسة "صفر تخصيب" كشرط أساسي لأي اتفاق. في المقابل, تدافع طهران بشراسة عن حقها في التخصيب للأغراض المدنية والبحثية، معتبرة إياه خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو ما يجعل مساحة التنازلات ضيقة للغاية وتتطلب حلولاً تقنية مبتكرة.
عروض التهدئة والمقايضات الاقتصادية: تشير التقارير الواردة إلى أن الجانب الإيراني يعكف على صياغة مسودة مقترح "بناء ثقة" قد يتضمن التزاماً بتصدير أو تجميد نصف مخزونها الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب. والهدف من هذه الخطوة هو الحصول على تخفيف جزئي ومبرمج للعقوبات الاقتصادية الخانقة، لا سيما تلك المفروضة على قطاعي المصارف والطاقة، لإنعاش الاقتصاد الداخلي المنهك.
تكتيكات "حافة الهاوية" والخيار العسكري: رغم الجلوس على طاولة المفاوضات، لم يسقط البيت الأبيض "خيار القوة" من حساباته. فلا يزال المسؤولون الأمريكيون يلوحون بشن ضربات جراحية تستهدف منشآت عسكرية أو حكومية نوعية كأداة ضغط استراتيجية. هذا التلويح يهدف لضمان عدم إطالة أمد التفاوض دون نتائج ملموسة، وهو ما تصفه الدوائر السياسية بسياسة "التفاوض تحت النار".
تحليل أداء الأسعار وانحسار علاوة المخاطر اللحظي
بعد تسجيل برنت مستوى 72.38 دولاراً، يرى المحللون في "جولدمان ساكس" أن الأسعار تظل مثقلة بـ "علاوة مخاطر" تتراوح بين 6 إلى 10 دولارات. التقلبات الحالية تشير إلى أن السوق لم يقتنع تماماً بفعالية الحل الدبلوماسي الوشيك، مما يبقي مراكز الشراء نشطة.
العوامل المؤثؤة على حركة الأسعار وتداعياتها:
ضبابية احتمالات الصدام العسكري: رغم التقارير التي قللت من مخاوف اندلاع حرب إقليمية واسعة، إلا أن الحشود العسكرية تظل المحرك الفعلي للسعر. السوق استوعب فكرة أن أي ضربة أمريكية محتملة قد تكون محدودة، ولكن استمرار وجود حاملتي طائرات في المنطقة يبقي المتداولين في حالة تأهب لردود أفعال غير متوقعة قد تؤثر على مضيق هرمز.
ضغوط السياسة التجارية الأمريكية والرسوم الجمركية: واجهت خطط الإدارة الأمريكية الاقتصادية انتكاسة قانونية أمام المحكمة العليا، التي قضت بعدم قانونية بعض الرسوم الجمركية الشاملة. هذا الحكم ألقى بظلال من الشك على قدرة الإدارة على تنفيذ سياستها التجارية بسلاسة، مما خلق حالة من عدم اليقين بشأن وتيرة النمو الاقتصادي، وبالتالي حجم الطلب المستقبلي على الوقود.
توقع الفائض النفطي مقابل نقص الإمدادات الفوري: تتوقع كبرى المؤسسات المالية فائضاً معروضاً في عام 2026، ولكن النقص الفوري المحتمل في حال تشديد العقوبات على الصادرات الإيرانية (1.5 مليون برميل يومياً) هو ما يدفع الأسعار نحو القمم الحالية.
ولا يمكن فصل مسار جنيف عن المشهد الداخلي في طهران؛ حيث تشهد البلاد موجة احتجاجات طلابية متجددة واشتباكات مع قوات الأمن. هذه الضغوط المتزايدة تضع النظام الإيراني أمام تحدٍ وجودي؛ فمن جهة يريد الحفاظ على مكتسباته النووية، ومن جهة أخرى يواجه ضغطاً شعبياً هائلاً نتيجة تدهور القوة الشرائية. هذه المعادلة قد تدفع المفاوض الإيراني نحو إبداء مرونة غير مسبوقة في جنيف رغبةً في الحصول على "متنفس اقتصادي" سريع.
الرؤية المستقبلية: سيناريوهات ما بعد اجتماع جنيف
تظل بوصلة أسعار النفط معلقة بما سيتمخض عنه اجتماع الخميس. ويمكن رصد سيناريوهين أساسيين:
سيناريو التهدئة : إذا صدرت بيانات مشتركة تشير إلى "إحراز تقدم"، فمن المتوقع أن يصحح برنت مساره هبوطاً نحو مستويات 67 دولاراً مع تبخر علاوة المخاطر.
سيناريو التصعيد: في حال انتهت المحادثات دون نتائج واضحة، فإن القلق قد يدفع الأسعار لاختبار مستويات 75-80 دولاراً، مدعومة بالحشد العسكري الأمريكي الكثيف في بحر العرب.
ختاما سوق النفط حالياً في حالة "ترقب جيوسياسي" بامتياز، والأسعار التي لامست 72.38 دولاراً تعكس تخوفاً من فشل الدبلوماسية. تظل الأساسيات الاقتصادية هي المحرك الحقيقي بعيد المدى، بشرط ألا تتحول الحرب الكلامية إلى مواجهة في مياه الخليج.
