إغلاق مضيق هرمز: خريطة الدول الأكثر تضرراً وسيناريوهات أسعار الطاقة العالمية
يواجه العالم اليوم واحدة من أعنف الهزات الارتدادية في أسواق الطاقة، مع إعلان الحرس الثوري الإيراني رسمياً عن إغلاق مضيق هرمز. هذا الممر المائي، الذي يعد الشريان التاجي للاقتصاد العالمي، يشهد شلاً تاماً أدى إلى ارتباك سلاسل التوريد وقفزات متتالية في أسعار النفط والغاز المسال. وفي ظل غياب حلول دبلوماسية فورية، تحول القلق من مجرد "ارتفاع في التكاليف" إلى "أزمة أمن طاقة" تهدد بتعطيل قطاعات صناعية كاملة من بكين إلى برلين.
في هذا التقرير، نستعرض تحليلاً شاملاً للدول الأكثر عرضة للصدمة، وتداعيات استمرار الحصار على أمن الطاقة العالمي في ظل وصول برنت إلى مستويات حرجة، وتأثير ذلك على استدامة النمو الاقتصادي في عام 2026.
مضيق هرمز: لماذا يرتعد الاقتصاد العالمي؟
يُصنف مضيق هرمز كأهم نقطة اختناق بحرية في العالم، حيث تضيق القناة الملاحية لتصل إلى 3 كيلومترات فقط في كل اتجاه. فوفقاً لبيانات شركة "كبلر" (Kpler) لعام 2025، مرّ عبر المضيق نحو 13 مليون برميل يومياً، ما يمثل حوالي 31% من إجمالي تدفقات النفط الخام المنقولة بحراً عالمياً. كما يمر عبره نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية، ما يجعله المتحكم الأول في أمن التدفئة وتوليد الكهرباء للقارة الآسيوية وجزء من أوروبا.
أسعار النفط والغاز تحت وطأة التصعيد
مع بداية الأزمة، سجل خام برنت ارتفاعاً بنسبة 2.6% ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، بزيادة إجمالية ناهزت 10% منذ اندلاع الصراع. ويحذر محللون من أن استمرار الإغلاق لأكثر من 72 ساعة سيتسبب في قفزة سريعة تتجاوز حاجز 100 دولار، وقد تصل إلى 150 دولاراً في حال تعرضت البنية التحتية النفطية لأضرار مادية.
لا تقتصر الأزمة على أسعار الخام فحسب، بل تمتد لتشمل أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، التي قفزت بنسبة 50% خلال الساعات الأخيرة، مما يجعل تكلفة الشحن البحري عبر المسارات البديلة (مثل رأس الرجاء الصالح) باهظة وغير مجدية اقتصادياً للعديد من شركات الشحن العالمية.
آسيا: المركز الرئيسي للألم الاقتصادي
تُعد القارة الآسيوية الخاسر الأكبر من هذا الإغلاق، نظراً لاعتمادها الهيكلي على واردات الطاقة الخليجية التي تمثل "نبض" مصانعها. وتتفاوت درجة التأثر بين الدول بناءً على قدرات التخزين ومرونة الشراء.
1. جنوب آسيا (باكستان، بنغلاديش، الهند)
تعد هذه المنطقة الأكثر عرضة لضغوط فيزيائية ومالية فورية، نظراً لهشاشة موازينها التجارية:
باكستان وبنجلاديش: تعتمدان بنسبة 99% و72% على التوالي في وارداتهما من الغاز المسال على قطر والإمارات. ومع محدودية سعة التخزين التي لا تتجاوز استهلاك بضعة أيام، قد تواجه هذه الدول انقطاعات حادة في التيار الكهربائي وتوقفاً كاملاً للأنشطة الصناعية الكثيفة، ما ينذر بأزمات اجتماعية واقتصادية عميقة.
الهند: تواجه انكشافاً مزدوجاً؛ حيث يأتي 60% من نفطها و53% من غازها المسال عبر المضيق. أي ارتفاع في أسعار برنت يترجم فوراً إلى اتساع في عجز الحساب الجاري وضغوط على الروبية الهندية، مما يرفع فاتورة الاستيراد ويؤجج التضخم المحلي في السلع الأساسية.
2. الصين: فجوة كبيرة وهوامش أمان مؤقتة
رغم أن الصين هي أكبر مستورد للخام في العالم وتستقبل 40% من نفطها عبر هرمز، إلا أنها تمتلك "مصدات" استراتيجية بناها الاقتصاد الصيني لسنوات:
تتوفر بكين على مخزونات استراتيجية من الغاز المسال تقدر بـ 7.6 مليون طن، ما يوفر غطاءً قصير الأمد.
تستورد الصين أكثر من 80% من النفط الإيراني، وهو ما قد يمنحها وضعاً تفاوضياً خاصاً مع طهران لضمان مرور شحناتها، لكنها ستظل مضطرة للمنافسة الشرسة على الشحنات الأطلسية والأمريكية لتعويض النقص الخليجي، مما سيشعل حرب أسعار في حوض المحيط الهادئ. كما أن تعطل المصانع الصينية يعني ارتباكاً في سلاسل التوريد العالمية للمنتجات التكنولوجية والإلكترونية.
3. اليابان وكوريا الجنوبية
تعتمد طوكيو وسيول على الشرق الأوسط لتأمين 75% و70% من احتياجاتهما النفطية على التوالي. ورغم امتلاكهما احتياطيات استراتيجية تكفي لنحو 90 يوماً من النفط، إلا أن انكشافهما على الغاز المسال أكثر خطورة؛ حيث تمتلك كوريا الجنوبية مخزوناً يكفي لأسبوعين إلى أربعة أسابيع فقط. غياب البدائل اللوجستية الفورية يضع أمنهما القومي في مواجهة تحدٍ حقيقي، خاصة مع اعتماد صناعة البتروكيماويات والسيارات في البلدين على النفط الخليجي منخفض التكلفة.
قطر وتوقف إنتاج الغاز المسال: ضربة لأسواق الكهرباء
شهد يوم الاثنين تطوراً دراماتيكياً بتوقف الإنتاج في منشآت "رأس لفان" و"مسيعيد" بقطر إثر هجمات طالت المرافق الصناعية. قطر، بصفتها المورد العالمي الأبرز الذي يوفر نحو 20% من التجارة العالمية للغاز المسال، يضع توقف صادراتها أوروبا وآسيا في حالة سباق محموم على الكميات المتبقية.
هذا التوقف لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل يعني اضطرار الدول المستوردة للعودة إلى الفحم أو النفط لتوليد الكهرباء، مما يقوض أهداف الاستدامة المناخية ويزيد من تكلفة التشغيل للمصانع الكبرى، مما قد يؤدي إلى مضاعفة أسعار الكهرباء للمستهلك النهائي.
الدول المستفيدة والمتضررة في جنوب شرق آسيا
وفقاً لمذكرة بنك "نومورا" (Nomura) لعام 2026:
تايلاند: تعد الخاسر الأبرز في المنطقة، حيث تمثل وارداتها النفطية 4.7% من ناتجها المحلي الإجمالي. كل زيادة بنسبة 10% في سعر النفط تؤدي إلى تآكل 0.5% من الحساب الجاري التايلاندي، مما يضع العملة المحلية (البات) تحت ضغط هائل.
ماليزيا: قد تكون المستفيد النسبي الوحيد بصفتها دولة مصدرة صافية للطاقة، مما يعزز ميزانها التجاري ويوفر فوائض مالية قد تستخدمها الحكومة لدعم أسعار الوقود محلياً لتخفيف أثر التضخم العالمي.
في النهاية إن إغلاق مضيق هرمز ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل هو تهديد وجودي للاستقرار الاقتصادي العالمي. بدون تدخل دولي سريع لإعادة الملاحة أو تفعيل خطوط الأنابيب البديلة (مثل خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي الذي يمتلك قدرة محدودة لا تتجاوز 7 ملايين برميل يومياً)، سيواجه العالم موجة تضخمية غير مسبوقة. إن العجز في المعروض الذي قد يصل إلى 20 مليون برميل يومياً لا يمكن تعويضه من أي مصدر آخر، مما قد ينتهي بركود عالمي طويل الأمد يعيد للأذهان أزمة النفط في السبعينيات.
