هل يقترب النفط من 120 دولاراً؟
في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، شهدت أسعار النفط موجة من الارتفاعات القياسية التي أعادت إلى الأذهان صدمات الطاقة الكبرى في السبعينيات. ومع تجاوز خام برنت حاجز 87 دولاراً للبرميل، يتزايد التساؤل الجوهري في الأوساط الاقتصادية: هل نحن بصدد رؤية سعر 120 دولاراً للبرميل أو حتى 150 دولاراً في القريب العاجل؟ وكيف ستتأثر سلاسل التوريد العالمية بهذا الصراع؟
قفزة قياسية في أسعار النفط: برنت وتكساس في الصدارة
سجلت الأسواق العالمية ارتفاعاً ملحوظاً في تداولات الجمعة، حيث أضافت عقود خام برنت قرابة 2.2% لتصل إلى 87.27 دولاراً، وهو أعلى مستوى لها في 52 أسبوعاً. في المقابل، قفز خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3.8% ليصل إلى 84.08 دولاراً.
وتأتي هذه القفزة كنتيجة مباشرة للمخاوف من تعطل إمدادات الطاقة العالمية جراء الصراع الدائر في الشرق الأوسط، حيث سجلت الأسعار أكبر مكاسب أسبوعية لها منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في أوائل عام 2022. ويرى المحللون أن السوق لا يتفاعل فقط مع نقص الإمدادات الحالي، بل يسعر حالة "عدم اليقين" التي قد تمتد لشهور، خاصة مع تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، بيت هي[سيث، التي أكد فيها أن الولايات المتحدة "بدأت للتو" في عملياتها العسكرية، مما يوحي بصراع طويل الأمد.
مضيق هرمز: شريان الحياة الذي يهدد باشتعال الأسواق
تتركز أنظار المحللين حالياً على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية. إن أي اضطراب في هذا الممر المائي سيعني شللاً شبه كامل لصادرات دول كبرى مثل السعودية والعراق والإمارات والكويت.
- تحذيرات قطرية وتداعيات الغاز: صرح وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، لصحيفة "فايننشال تايمز" بأن استمرار الصراع قد يؤدي إلى توقف شحنات الطاقة الخليجية في غضون أيام. هذا لا يشمل النفط فحسب، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي المسال (LNG)، حيث يمر 19% من الإمداد العالمي عبر المضيق. وتشير التقديرات الفنية إلى أن أسعار الغاز الأوروبي (TTF) قد تقفز من 31.6 إلى 74 يورو لكل ميجاوات/ساعة في حال الإغلاق لمدة شهر، وقد تتجاوز حاجز الـ 100 يورو إذا استمر الإغلاق لفترة أطول، مما يهدد بأزمة طاقة حادة في أوروبا.
سيناريوهات تعطل الإمدادات وعلاوة المخاطر: تسعر الأسواق حالياً "علاوة مخاطر" استباقية لتعويض الاحتمالات المتزايدة لتعطل الشحن. ويمكن تلخيص سيناريوهات الأثر السعري بناءً على المعطيات الميدانية كالتالي:
- الإغلاق الكامل المباشر: قد يؤدي إلى زيادة فورية تتجاوز 15 دولاراً للبرميل نتيجة النقص الحاد المفاجئ.
- تحويل المسارات عبر الأنابيب: استخدام القدرات البديلة (حوالي 4 ملايين برميل يومياً) قد يقلص حدة الارتفاع لتستقر الزيادة عند 12 دولاراً.
- التنسيق مع الاحتياطيات الاستراتيجية: تفعيل السحب من المخزونات العالمية بالتزامن مع استخدام الأنابيب البديلة قد يهبط بعلاوة المخاطر إلى حدود 10 دولارات.
- الاضطراب الجزئي للملاحة: في حال حدوث عرقلة بنسبة 25% إلى 50% من تدفقات المضيق، يتوقع أن تتراوح الزيادة السعرية بين دولار واحد إلى 4 دولارات للبرميل.
التدخلات الأمريكية ومحاولات كبح الجماح
في محاولة لتهدئة روع الأسواق ومنع حدوث ركود تضخمي عالمي، بدأت واشنطن في اتخاذ خطوات دبلوماسية ومالية استباقية:
- إعفاءات الهند الاستراتيجية: منحت الولايات المتحدة إعفاءً لمدة 30 يوماً للهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، لاستئناف شراء النفط الروسي. هذه الخطوة تهدف إلى ضمان تدفق النفط عالمياً وتخفيف الضغط على الأسعار بعد فرض تعرفة جزائية بنسبة 25% سابقاً.
- التدخل في الأسواق الآجلة: تدرس وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات استثنائية للتدخل في سوق العقود الآجلة للنفط، بما في ذلك بيع كميات من الاحتياطي الاستراتيجي أو فرض قيود مؤقتة لمنع المضاربات المحمومة التي تدفع الأسعار للارتفاع بشكل غير مبرر اقتصادياً.
المفارقة الاقتصادية: هل يكون ارتفاع النفط سلاحاً ضد التضخم؟
على عكس التفكير التقليدي، يطرح "أتاكان باكيشكان"، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في بنك "بيرنبرج"، رؤية مثيرة للجدل. يرى باكيشكان أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يعمل كعامل "انكماشي" (Deflationary) على المدى المتوسط للاقتصاد الأمريكي.
- آلية التأثير: عندما يدفع المستهلك مبالغ أكبر مقابل جالون البنزين (الذي وصل إلى 3.25 دولاراً)، فإنه يضطر لتقليص إنفاقه في قطاعات أخرى مثل التجزئة، السفر، والخدمات. هذا "الضريبة القسرية" على الدخل المتاح تؤدي إلى تباطؤ الطلب الكلي، مما قد يجبر الشركات على خفض أسعار السلع غير الطاقية للحفاظ على مبيعاتها، وهو ما قد يساعد الفيدرالي الأمريكي في خفض "التضخم الأساسي" رغم ارتفاع التضخم العام.
القدرات الإنتاجية الإيرانية وحسابات المخاطر
لا يمكن تجاهل ثقل إيران في هذه المعادلة؛ فهي تنتج حوالي 3.5 مليون برميل يومياً من الخام و0.8 مليون برميل من المكثفات، مما يمثل 4% من الإمداد العالمي. تصدر إيران حوالي 1.7 مليون برميل يومياً، ومعظم هذه الصادرات تتجه نحو الصين.
إن استهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية لن يؤدي فقط إلى فقدان هذه الكميات، بل سيؤدي إلى ردود فعل قد تشمل تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز بشكل دائم. وعلى الرغم من أن وكالة الطاقة الدولية تقدر إمكانية إعادة توجيه 4.2 مليون برميل يومياً عبر خطوط أنابيب بديلة، إلا أن 16 مليون برميل ستظل محاصرة داخل الخليج العربي، مما يجعل حاجز الـ 120 دولاراً حتمياً في حال غياب الحلول الدبلوماسية.
التوقعات المستقبلية: ما الذي ينتظر سوق النفط؟
تعتمد الإجابة على سؤال "هل تصل أسعار النفط إلى 120$؟" على معادلة "المدى والحدة". التاريخ يشير إلى أن الارتفاعات الناتجة عن الصدمات الجيوسياسية قد تكون مؤقتة إذا لم يحدث تعطل فعلي ومستمر للإمدادات. في منتصف عام 2022، تجاوزت الأسعار القيمة العادلة بمقدار 20 دولاراً قبل أن تتراجع بمجرد استعادة الثقة في تدفق الإمدادات.
في الختام، يظل سوق الطاقة رهيناً بالتطورات العسكرية على الأرض وقدرة الأطراف على إبقاء الممرات المائية مفتوحة. وبينما تحاول القوى الكبرى موازنة الإمدادات، يبقى المستثمر العالمي في حالة ترقب لمؤشرات التصعيد أو التهدئة، في منطقة تظل هي القلب النابض للاقتصاد العالمي ومحرك أسعار الطاقة فيه.
