أسعار النفط تلامس حاجز الـ 100 دولار
تجاوزت أسعار النفط العالمية حاجز الـ 100 دولار للبرميل مجدداً في تعاملات اليوم، وسط موجة من الذعر اجتاحت الأسواق المالية عقب تصاعد الهجمات الممنهجة على ناقلات النفط وسفن الشحن في قلب الخليج العربي. ويأتي هذا الارتفاع الحاد رغم التحركات الدولية غير المسبوقة لتهدئة المخاوف، وعلى رأسها قرار وكالة الطاقة الدولية بسحب قياسي من المخزونات الاستراتيجية، في إشارة واضحة إلى أن المخاوف الجيوسياسية باتت تطغى على محاولات التوازن الفني للسوق.
اشتعال التوترات في مضيق هرمز وتأثيره على إمدادات الطاقة
شهدت الساعات الماضية استهدافاً مباشراً لثلاث سفن تجارية قبالة سواحل العراق والإمارات العربية المتحدة، مما رفع وتيرة المخاطر في مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يعبر منه نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي ونحو ثلث المنقول بحراً. ولم تقتصر هذه الهجمات على إثارة الذعر، بل تسببت في اضطرابات فورية في جداول الشحن والخدمات اللوجستية الإقليمية.
وتشير التقارير الميدانية إلى تعرض سفينة حاويات لقذيفة مجهولة بالقرب من ميناء جبل علي الحيوي، بينما اندلعت النيران في ناقلتي نفط في المياه الإقليمية العراقية قرب ميناء أم قصر بمدينة البصرة. هذه الأحداث الدراماتيكية دفعت عقود خام برنت تسليم مايو للتحليق عند مستويات سعرية قياسية، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط قفزات تجاوزت 6%، وسط حالة من الترقب لما قد تسفر عنه الساعات القادمة من تهديدات أمنية إضافية للملاحة.
وكالة الطاقة الدولية: سحب تاريخي لمواجهة "صدمة العرض"
في محاولة لامتصاص الصدمة السعرية وتوفير سيولة نفطية فورية، أعلنت وكالة الطاقة الدولية (IEA) عن سحب 400 مليون برميل من مخزونات الطوارئ، وهو أكبر إجراء تنسيقي عالمي في تاريخ الوكالة منذ تأسيسها في أعقاب حظر النفط عام 1973.
مساهمة الولايات المتحدة: تعهدت واشنطن بتوفير 172 مليون برميل من احتياطيها البترولي الاستراتيجي، مع توقعات ببدء الشحنات خلال الأسبوع المقبل، في عملية قد تستغرق نحو 120 يوماً لتكتمل فعلياً.
موقف الأسواق ورد فعل المتداولين: رغم ضخامة الأرقام المعلنة، لم تفلح هذه الخطوة في كبح جماح الأسعار بشكل مستدام. ويعزو المحللون ذلك إلى "فجوة الثقة"؛ حيث يشكك المتداولون في سرعة وصول هذه الإمدادات إلى المصافي العالمية، خاصة مع وجود تعقيدات لوجستية وفنية قد تؤخر تسليم البراميل لفترة تتراوح بين 60 إلى 90 يوماً.
ويرى خبراء الطاقة أن هذا السحب "يشتري الوقت فقط"، حيث تظل الكميات المسحوبة قاصرة عن سد العجز اليومي الهائل الذي قد ينتج عن إغلاق كامل للمضيق، والذي يقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً، مما يعني أن المخزونات الاستراتيجية لن تغطي سوى ربع الفجوة المحتملة في أسوأ السيناريوهات.
صادرات النفط الإيرانية إلى الصين: استمرار التدفق عبر "طرق بديلة"
رغم الأوضاع العسكرية المشتعلة والرقابة اللصيقة، كشفت بيانات تتبع الناقلات عبر الأقمار الصناعية أن طهران نجحت في تمرير ما لا يقل عن 11.7 مليون برميل من الخام إلى الصين منذ اندلاع العمليات العدائية في أواخر فبراير. وتلجأ الناقلات إلى تكتيكات معقدة مثل "السفن الشبح" عبر إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال (AIS) للتواري عن الرصد الدولي وتجنب الاستهداف المباشر في الممرات المائية المحاصرة.
وتشير البيانات إلى أن الصين، المشتري التاريخي والأكبر للخام الإيراني، بدأت في تسريع عمليات بناء "وسادة أمان" طاقوية عبر تخزين كميات قياسية من النفط المستورد. هذا السلوك الاستراتيجي لبكين يهدف إلى حماية اقتصادها من تقلبات الأسعار الحادة وضمان استمرارية تشغيل قطاعها الصناعي الضخم في حال اتساع رقعة الصراع لتشمل كافة ممرات الطاقة في الشرق الأوسط. كما بدأت طهران مؤخراً في تفعيل محطة "جاسك" المطلة على بحر عمان لتجاوز مضيق هرمز تماماً، رغم أن هذه المحطة لا تزال تفتقر للكفاءة اللوجستية التي تتمتع بها جزيرة "خارغ".
تحليل اقتصادي: هل تستقر أسعار النفط قريباً؟
تجمع المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها بنك "ING" و"ريموند جيمس"، على أن سوق النفط يعيش حالياً حالة من "الذعر العاطفي" التي تتجاوز التحليل الرقمي للعرض والطلب. ولن يبدأ المسار الهبوطي المستدام لأسعار النفط إلا في حال وجود مؤشرات ملموسة على تهدئة جيوسياسية تضمن تدفقاً آمناً ومنتظماً للناقلات عبر مضيق هرمز.
علاوة المخاطر الجيوسياسية: الأسعار الحالية تتضمن "علاوة خوف" مرتفعة جداً؛ حيث يخشى المستثمرون من أن الحرب الحالية قد تطول، مما يعني أن سحب المخزونات اليوم سيتطلب إعادة ملئها لاحقاً بأسعار قد تكون أعلى، مما يرسخ مستويات سعرية مرتفعة في العقود الآجلة.
التداعيات اللوجستية والتضخم: أدى استهداف السفن إلى قفزات جنونية في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وزيادة في تكاليف الشحن البحري، مما يضيف أعباءً تضخمية جديدة على كاهل الاقتصاد العالمي الذي يكافح بالفعل للخروج من أزمات الإمداد السابقة.
يبقى مستقبل أسعار النفط رهيناً بمدى قدرة القوى الدولية على تأمين الممرات المائية. وبينما تعمل وكالة الطاقة الدولية على ضخ سيولة نفطية من مخزوناتها، يظل "عنق الزجاجة" في مضيق هرمز هو الضابط الفعلي للإيقاع السعري العالمي. وفي ظل غياب حلول دبلوماسية فورية، يظل الاحتمال الأكبر هو بقاء الأسعار فوق مستويات الـ 90 دولاراً، مع إمكانية ملامسة قمم جديدة إذا ما استمرت الهجمات في تعطيل تدفق الذهب الأسود.
