الاقتصاد الأمريكي في عين العاصفة: تباطؤ حاد في النمو وقفزة في التضخم الأساسي
تلوح في الأفق بوادر مرحلة اقتصادية حرجة ومعقدة للولايات المتحدة، حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأمريكية عن مزيج مقلق يجمع بين تباطؤ حاد في النمو الاقتصادي وضغوط تضخمية مستمرة تفوق التوقعات. تأتي هذه البيانات في توقيت شديد الحساسية يسبق اجتماعات مصيرية للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جدية حول قدرة الاقتصاد الأكبر في العالم على تحقيق "هبوط ناعم" أو السقوط في فخ "الركود التضخمي" الذي طالما حذر منه المحللون.
تباطؤ حاد في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الرابع
أظهرت المراجعة الأولى لبيانات الناتج المحلي الإجمالي نمواً متواضعاً لم يتجاوز 0.7% على أساس سنوي في الربع الرابع من عام 2025. ويمثل هذا الرقم تراجعاً دراماتيكياً ليس فقط مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4%، بل إنه جاء أقل بكثير من توقعات المحللين في "داو جونز" الذين استهدفوا نسبة 1.5%. هذا الهبوط يمثل صدمة حقيقية عند مقارنته بالأداء القوي في الربع الثالث الذي سجل نمواً بنسبة 4.4%، مما يشير إلى أن المحركات الاقتصادية بدأت تفقد قوتها الدافعة بشكل أسرع من المتوقع.
وتعزى هذه المراجعة التنازلية القاسية إلى تعديلات جوهرية في هيكل الإنفاق العام والخاص. فقد كشف مكتب التحليل الاقتصادي (BEA) أن ضعف الإنفاق الاستهلاكي والحكومي، إلى جانب تراجع معدلات التصدير، كانت العوامل الحاسمة وراء هذا التباطؤ. وعلى مدار العام كاملاً، حقق الاقتصاد نمواً بنسبة 2.1%، وهي نسبة تقل بعشر نقطة مئوية عن التقديرات السابقة، وتؤكد مسار التراجع عند مقارنتها بنسبة 2.8% المحققة في عام 2024.
تفاصيل الإنفاق الاستهلاكي والطلب المحلي
الإنفاق الاستهلاكي: وهو العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي، ارتفع بنسبة 2% فقط خلال الربع الرابع. هذا الرقم جاء بعد مراجعة هبوطية بمقدار 0.4 نقطة مئوية، وهو ما يمثل تراجعاً حاداً عن مستويات الـ 3.5% المسجلة في الربع الثالث. وكان قطاع الخدمات، وتحديداً الإنفاق على الرعاية الصحية، هو المساهم الأكبر في هذا التراجع، مما يعكس حذراً متزايداً لدى المستهلكين في ظل تقلبات الدخل المتاح.
المبيعات الخاصة: سجل مقياس "المبيعات الخاصة للمشترين المحليين"، الذي يعده الخبراء مرآة حقيقية للطلب الأساسي بعيداً عن تقلبات المخزونات والتجارة الخارجية، زيادة قدرها 1.9% فقط. هذه النسبة التي تمت مراجعتها هبوطاً بنحو نصف نقطة مئوية تعكس ضعف القوة الشرائية وتزايد نزعة الادخار التي قفزت إلى 4.5% في يناير، مما يعني أن الأسر الأمريكية بدأت فعلياً في تقليص نفقاتها تحسباً لظروف أصعب.
التضخم الأساسي في يناير 2026: ضغوط مستمرة وعنيدة
بالتوازي مع هذا التباطؤ في النمو، لم تظهر جبهة التضخم أي إشارات حقيقية للتهدئة. ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، الذي يستبعد تقلبات الغذاء والطاقة، بنسبة 0.4% في يناير وحده، ليصل المعدل السنوي إلى 3.1%.
تكمن خطورة هذا الرقم في كونه المقياس المفضل لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي لبناء توقعاته النقدية، حيث يراه البنك تعبيراً أدق عن اتجاهات الأسعار طويلة الأمد. وبقاء التضخم الأساسي عند مستويات تتجاوز 3% يضع البنك المركزي في مأزق حقيقي؛ فلا يمكنه خفض الفائدة لدعم النمو المتباطئ خوفاً من اشتعال الأسعار مجدداً، ولا يمكنه الاستمرار في التشدد دون المخاطرة بدفع الاقتصاد نحو ركود عميق.
تحديات جيوسياسية وضغوط الطاقة المتصاعدة
لا تقتصر الأزمة على البيانات التاريخية لشهر يناير، بل تمتد لتشمل تحديات راهنة تزيد من قتامة المشهد:
أزمة الطاقة والشرق الأوسط: أدت التوترات العسكرية الأخيرة في أواخر فبراير إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة، حيث لامس خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل. هذه القفزة ستظهر آثارها بوضوح في بيانات التضخم القادمة، مما يضيف أعباءً إضافية على كاهل المستهلكين ويزيد من تكاليف الإنتاج.
السياسات التجارية والرسوم: تداعيات قرارات المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية التي فرضت تحت قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لا تزال تلقي بظلالها. ويقدر الاقتصاديون أن هذه الرسوم أضافت بالفعل ما لا يقل عن نصف نقطة مئوية إلى التضخم الأساسي، مما جعل مكافحة غلاء الأسعار أكثر صعوبة حتى قبل اندلاع الأزمات الجيوسياسية الحالية.
الركود التضخمي: هل أصبح خطراً حقيقياً؟
أن المزيج الحالي يمثل "اختباراً قاسياً" للاقتصاد. حيث أن المراجعة التنازلية للنمو تزيد من احتمالات الدخول في حالة "الركود التضخمي" (Stagflation)، حيث يجتمع النمو الضعيف مع التضخم المرتفع. كما أن بيانات السلع المعمرة المخيبة للآمال في يناير، والتي جاءت ثابتة دون نمو، تشير إلى أن قطاع التصنيع والاستثمار الرأسمالي يعاني من ضعف هيكلي واضح.
توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي
في ظل هذه المعطيات، أصبحت الأسواق شبه متأكدة من أن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة ستبقي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقبل. ومع ذلك، فإن النبرة "التشددية" قد تعود لصدارة المشهد؛ حيث يتوقع خبراء استراتيجيون مثل سونو فارجيز من "Carson Group" أن الفيدرالي قد يضطر ليس فقط لاستبعاد خفض الفائدة في 2026، بل للبدء في مناقشة احتمالية رفعها مرة أخرى لاحقاً هذا العام إذا استمرت ضغوط الطاقة والتضخم الأساسي في تحدي المستهدفات.
ختاما يعيش الاقتصاد الأمريكي لحظة فارقة تتطلب دقة متناهية في الإدارة النقدية. الفجوة الآخذة في الضيق بين تباطؤ الإنتاج وتصلب معدلات التضخم تترك صانعي السياسة أمام خيارات صعبة وأدوات محدودة، في حين يراقب المستثمرون بقلق مدى قدرة الأسواق على الصمود أمام هذه العواصف المزدوجة.
