أسعار الذهب تتراجع مع قوة الدولار وترقب الأسواق للمحادثات الأمريكية الإيرانية
شهدت أسعار الذهب اليوم ضغوطاً بيعية واضحة أدت إلى تراجع ملحوظ في قيمته السوقية، مدفوعة بشكل أساسي بالارتفاع القوي في مؤشر الدولار الأمريكي وحالة "اللايقين" التي تهيمن على المشهد الجيوسياسي العالمي. ويقف المستثمرون حالياً في منطقة ترقب حذر، بانتظار ما ستسفر عنه المحادثات الدبلوماسية المعقدة بين واشنطن وطهران، جنباً إلى جنب مع مراقبة توجهات السياسة النقدية الأمريكية، وذلك لتحديد الموقف الاستراتيجي للمعدن الأصفر كأداة تحوط في المحافظ الاستثمارية.
أداء سوق الذهب والمعادن النفيسة
في تفاصيل التداولات، سجل سعر الذهب في المعاملات الفورية انخفاضاً بنسبة 0.7% ليصل إلى مستوى 4,784.77 دولاراً للأوقية (الأونصة)، وهو ما يعكس استمرار الزخم الهبوطي بعد أن لامس المعدن أدنى مستوياته منذ منتصف أبريل خلال جلسة يوم الاثنين الماضية. ولم تكن العقود الأمريكية الآجلة للذهب بمنأى عن هذا التراجع، حيث انخفضت بنسبة 0.5% لتستقر عند 4,803.60 دولاراً لتسليم يونيو.
هذا الاتجاه النزولي لم يقتصر على الذهب فحسب، بل انسحب على معظم قطاع المعادن النفيسة؛ إذ تعرضت الفضة الفورية لضغوط أكبر أدت لهبوطها بنسبة 1.4% لتصل إلى 78.81 دولاراً للأوقية. كما فقد البلاتين نحو 1.1% من قيمته ليحوم حول مستوى 2,066.85 دولاراً. في المقابل، أظهر البلاديوم تماسكاً نسبياً مخالفاً للتيار العام بارتفاع طفيف قدره 0.3% ليصل إلى 1,556.63 دولاراً، مما يعكس تباين العوامل المؤثرة على المعادن ذات الاستخدام الصناعي المباشر.
قوة الدولار الأمريكي والضغوط التضخمية
يظل صعود الدولار الأمريكي هو العامل الأبرز الذي كبح جماح الذهب؛ فالارتباط العكسي بين العملة الخضراء والسلع الأساسية جعل المعدن الأصفر أكثر تكلفة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، مما أدى إلى انكماش الطلب. ويرى خبراء التحليل الفني أن بقاء الدولار في مستويات مرتفعة يمثل "سقفاً" يمنع أي ارتداد سعري سريع للذهب في المدى القريب.
وعلى الرغم من الانخفاض النسبي الأخير في أسعار الطاقة، إلا أن استمرار التوترات اللوجستية والأمنية في مضيق هرمز يُبقي المخاوف من "تضخم العرض" قائمة. هذه البيئة المعقدة تدعم بقاء الدولار كخيار أول للسيولة، مما يخلق رياحاً معاكسة قوية للذهب الذي لا يدر عائداً (Yield-less asset). ففي ظل بيئة تتسم بأسعار فائدة مرتفعة أو ثابتة عند مستويات عليا، تتجه التفضيلات الاستثمارية نحو السندات والعملات التي توفر عوائد دورية، مما يقلل من الجاذبية النسبية للمعدن النفيس رغم كونه الملاذ التقليدي ضد التضخم.
المحادثات الأمريكية الإيرانية وتأثيرها على الأسواق
تراقب الأسواق المالية العالمية بحذر شديد المساعي الدبلوماسية الجارية بين واشنطن وطهران في باكستان. وبينما تبرز إشارات عن رغبة الطرفين في خفض التصعيد، إلا أن العقبات الهيكلية والخلافات العميقة لا تزال تمثل تحدياً كبيراً، خاصة مع اقتراب الموعد النهائي لوقف إطلاق النار الذي استمر لمدة أسبوعين، مما يرفع من منسوب القلق من عودة التوترات الميدانية.
وقد تفاقمت حدة الحذر بعد البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الإيرانية التي أدانت فيها بشدة ما وصفته باعتداء على السفينة التجارية "توسكا"، مطالبة بالإفراج الفوري عنها، وهو ما أعاد للأذهان احتمالية تعطل سلاسل التوريد في ممرات مائية حيوية. هذه التطورات تنعكس بشكل فوري على أسواق النفط؛ حيث إن نجاح المحادثات قد يعني تدفقاً أكبر للإمدادات الإيرانية، مما سيساهم في تهدئة أسعار الطاقة عالمياً، وبالتالي تقليص الضغوط التضخمية، وهو ما قد ينعكس سلباً على الذهب الذي يزدهر في فترات التضخم الجامح.
ترقب شهادة كيفن وارش أمام مجلس الشيوخ والسياسة النقدية
في الجانب المؤسسي، تتجه الأنظار اليوم إلى "تلة الكابيتول" حيث يمثل كيفن وارش، المرشح لعضوية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أمام لجنة المصارف بمجلس الشيوخ. إن الأهمية الاقتصادية لهذه الشهادة تنبع من كون وارش يُنظر إليه كشخصية مؤثرة قد تساهم في صياغة مستقبل السياسة النقدية الأمريكية.
وفي الملاحظات التمهيدية المسربة، شدد وارش على ضرورة الحفاظ على "استقلالية القرار النقدي" بعيداً عن الضغوط السياسية، وهو تصريح يهدف إلى طمأنة الأسواق المالية حول ثبات نهج الفيدرالي في مكافحة التضخم. سيبحث المستثمرون بين سطور إجاباته عن أي ملامح لمستقبل أسعار الفائدة؛ فإذا مالت تصريحاته نحو "التشدد" (Hawkish)، فقد نشهد مزيداً من الارتفاع للدولار ومزيداً من الضغط على أسعار الذهب اليوم. أما إذا أظهر نبرة "تيسيرية" (Dovish)، فقد يجد الذهب في ذلك دعماً لاستعادة بعض مستوياته المفقودة.
