قمة شي وترامب: هل ينقذ ترامب الاقتصاد الأمريكي من تداعيات حرب إيران؟
بينما يتوجه الرئيس دونالد ترامب إلى الصين لعقد اجتماعات هامة مع القيادة الصينية، يبدو واضحاً أن المصافحات والاحتفالات الدبلوماسية والبروتوكولات الرسمية لن تكون كافية لإصلاح الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي سببتها حرب إيران. واشنطن تدخل هذه القمة وهي تواجه أزمات حقيقية وهيكلية، مما يجعل من الصعب تحقيق فوز كبير يغير مسار "الانفصال الاقتصادي" التدريجي بين البلدين، أو ينهي الصراع على السيادة التكنولوجية.
الفجوة بين البورصة والواقع المعيشي: ثقة هشة
هناك تناقض غريب ومثير للقلق اليوم في أمريكا؛ فبينما تسجل أسواق الأسهم أرقاماً قياسية وتتجاهل طبول الحرب، حيث ارتفع مؤشر $S\&P 500$ بنسبة $7.3\%$ منذ أواخر فبراير (تاريخ اندلاع الصراع)، نجد أن شعبية ترامب وتأييده الشعبي تراجعا إلى أدنى مستوياتهما التاريخية بحسب استطلاعات (CNBC).
يرى الخبراء في (JPMorgan) أن هذا الصعود الجنوني للأسهم لا يعكس استقراراً حقيقياً، بل يعود إلى الثقة العمياء في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تقود السوق، والأمل المتفائل بأن ترامب سيمارس "فن الصفقة" لحل الأزمات في اللحظة الأخيرة. لكنهم يحذرون من أن هذا الاستقرار "مؤقت ومخادع"؛ فالسوق قد يتحمل صدمة قوية ومفاجئة لفترة قصيرة، لكنه لا يستطيع الصمود أمام تعطل طويل الأمد في إمدادات الطاقة العالمية أو انهيار في سلاسل التوريد التي تربط الشرق بالغرب.
أزمة الطاقة: كيف يضغط مضيق هرمز على جيوب الجميع؟
تعتبر أسعار الوقود هي التحدي الأكبر والمباشر للمواطن الأمريكي، وهي "العدو الخفي" للمفاوضين في بكين. إغلاق إيران لمضيق هرمز تسبب في توقف تدفق خمس إمدادات النفط في العالم بشكل مفاجئ. ويؤكد "أمين الناصر"، رئيس أرامكو، أن السوق سيفقد نحو $100$ مليون برميل عن كل أسبوع يظل فيه المضيق مغلقاً، وهي كمية لا يمكن لأي احتياطي استراتيجي في العالم أن يسد فجوتها لفترة طويلة.
ورغم أن سعر النفط وصل إلى $104$ دولارات للبرميل (بزيادة قدرها $44\%$ منذ بدء الحرب)، إلا أن المشكلة الأكبر ليست في السعر فقط، بل في قرب نفاد المخزونات الاستراتيجية التي تُستخدم حالياً لتعويض النقص. وحتى لو فُتح المضيق غداً، فإن العودة إلى الأسعار الطبيعية وتأمين المسارات من الألغام قد تستغرق وقتاً طويلاً يمتد أثره حتى عام $2027$.
تأثير الأزمة على جيب المواطن وتكاليف الحياة:
البنزين: وصل متوسط السعر إلى $4.50$ دولار للجالون، مما أدى إلى تآكل الدخل المتاح للعائلات وتقليص إنفاقها على السلع الأخرى.
الديزل: ارتفع بنسبة $61\%$، وهذا الارتفاع هو "المحرك الصامت" للتضخم؛ لأنه يرفع تكاليف نقل كل شيء من الخضروات إلى الأجهزة الكهربائية، مما يعني زيادة تلقائية في أسعار المواد الغذائية الأساسية.
ديون أمريكا وخيارات ترامب الصعبة: معضلة الفائدة
تأتي هذه الأزمة السياسية مع اقتراب انتخابات عام $2026$، مما يضع البيت الأبيض في زاوية ضيقة. يحاول ترامب تخفيف العبء عن الناخبين عبر اقتراح "عطلة ضريبية" على البنزين، لكنه يصطدم بواقع مالي مرير:
الديون الضخمة: تجاوز الدين العام الأمريكي حجم الاقتصاد بالكامل ($100\%$ من الناتج المحلي). أي خفض للضرائب الآن سيعني زيادة فورية في عجز الموازنة، مما يثير ذعر المستثمرين في السندات الحكومية.
تكلفة الاقتراض (خطر السندات): ارتفاع عوائد السندات إلى $4.4\%$ يعني أن القروض العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان ستصبح أغلى على كل أسرة أمريكية. هذا الارتفاع يسحب السيولة من الأسواق ويضعف القدرة الشرائية، مما يهدد بحدوث ركود تضخمي (ارتفاع أسعار مع ركود في النمو).
الموقف الصيني: ذكاء "الانتظار النشط"
في المقابل، يبدو الرئيس الصيني شي جين بينغ في موقف أقوى بكثير من الناحية الاستراتيجية. فرغم أن الصين تعاني من تباطؤ نموها، إلا أن نظامها لا يواجه ضغوط الانتخابات أو تقلبات الرأي العام كما هو الحال مع ترامب. يستطيع "شي" أن يمارس سياسة "الانتظار" ليراقب استنزاف الموارد الأمريكية، أو يطلب ثمناً غالياً مقابل مساعدته في تهدئة طهران.
هذا الثمن قد يشمل مطالبة أمريكا بتخفيف القيود التقنية المفروضة على أشباه الموصلات والرقائق المتطورة. إيران من جهتها تراهن على تحالفها مع الصين كدرع اقتصادي، وهذا يمنح بكين "ورقة ضغط" مزدوجة؛ فهي إما أن تلعب دور الوسيط الذي ينقذ العالم بمكاسب كبرى، أو تكتفي بمراقبة تعثر الاقتصاد الأمريكي في وحل التضخم الناتج عن مغامراته العسكرية.
ختاما قد تسفر القمة عن وعود صينية رمزية بشراء المزيد من الصويا أو الغاز الأمريكي لتخفيف العجز التجاري، لكن هذه النتائج تبقى "مسكنات مؤقتة" أمام المشاكل الهيكلية العميقة. التوترات السياسية في الشرق الأوسط تزيد من تصدعات الاقتصاد العالمي، وهذه التصدعات بدورها تزيد من انعدام الثقة بين بكين وواشنطن.
وعلى المستثمرين أن يدركوا أن "دبلوماسية المراسم" لن تعيد أسعار الطاقة إلى سابق عهدها. أمريكا الآن أمام مفترق طرق تاريخي: إما قبول التعايش مع تضخم مرتفع يستنزف القوة الشرائية لمواطنيها، أو تقديم تنازلات جيوسياسية كبرى للصين لضمان استقرار الأسواق العالمية المترابطة.
