تقرير الأسواق: انتعاش الذهب وتراجع حذر للنفط وسط ترقب لقمة بكين وبيانات التضخم الأمريكي
شهدت الأسواق العالمية حالة من التباين الملحوظ اليوم الأربعاء، حيث خاض المستثمرون صراعاً بين البيانات الاقتصادية الصلبة والمخاطر الجيوسياسية المتصاعدة. وقد استعادت أسعار الذهب زخمها الصعودي بعد موجة تراجع مؤقتة أغرت صائدي الصفقات، بينما سجلت أسعار النفط تراجعاً طفيفاً مع توجه الأنظار نحو القمة المرتقبة في بكين وتطورات المشهد الجيوسياسي المعقد في الشرق الأوسط. يأتي هذا التحرك في وقت يواصل فيه الدولار الأمريكي ممارسة ضغوطه على العملات الرئيسية، مدعوماً ببيانات تضخم فاقت التوقعات، مما عزز حالة اليقين بشأن استمرارية السياسة المتشددة.
أسعار الذهب تستعيد بريقها رغم ضغوط الفائدة المرتفعة
نجحت أسعار الذهب في التعافي خلال التعاملات المبكرة، حيث جذب تراجع الأسعار الأخير موجة جديدة من طلبات الشراء المؤسسية، رغم حالة الضبابية التي تفرضها بيانات التضخم الأمريكية وتعثر المسارات الدبلوماسية الدولية. ويعكس هذا الارتفاع رغبة المستثمرين في التحوط ضد تقلبات العملة والمخاطر الجيوسياسية التي لم تنتهِ مفاعيلها بعد.
وتشير تقديرات الأسواق حالياً إلى احتمالية تتجاوز 40% لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام، وهو ما دفع عوائد السندات الأمريكية للارتفاع وشكل ضغطاً تقليدياً على المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً. وعلى الرغم من الضغوط الناجمة عن ارتفاع المعدلات والتضخم المدفوع بأسعار الطاقة، ظل الذهب صامداً بفضل الطلب الهيكلي القوي من قبل البنوك المركزية التي تسعى لتنويع احتياطياتها بعيداً عن العملات الورقية". هذا الدعم السيادي يوفر "أرضية صلبة" تمنع الذهب من الانهيار حتى في ظل قوة الدولار.
الأداء السعري:
العقود الآجلة للذهب: ارتفعت بنسبة 0.6% لتصل إلى 4,714.30 دولاراً للأونصة، متجاوزة مستويات مقاومة فنية هامة.
الفضة: سجلت مكاسب قوية بنسبة 2.2% لتصل إلى 87.52 دولاراً للأونصة، مدفوعة بطلب صناعي متزايد وتوقعات بنقص المعروض العالمي.
النفط يتراجع وسط ترقب لقمة "ترامب-تشي" وتعقيدات سلاسل الإمداد
تراجعت أسعار النفط يوم الأربعاء، مكسرة سلسلة مكاسب استمرت لثلاثة أيام، حيث دخل المستثمرون في حالة "انتظار وترقب" لنتائج القمة عالية المستوى في بكين بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني تشي جين بينغ. وتعد هذه القمة حاسمة لتحديد مسار الطلب العالمي على الطاقة، خاصة مع مناقشة ملفات التجارة والتعاون التكنولوجي.
تحركات الأسعار وتوقعات العرض:
انخفضت عقود خام برنت بنسبة 0.2% لتستقر عند 107.58 دولاراً للبرميل.
تراجع خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بنسبة 0.4% ليصل إلى 101.79 دولاراً للبرميل.
وعلى الرغم من هذا التراجع الطفيف، لا تزال الأسعار تحوم فوق مستوى 100 دولار للبرميل منذ اندلاع التوترات في فبراير وإغلاق مضيق هرمز، وهو شريان حيوي تسبب إغلاقه في إضافة "علاوة مخاطر" دائمة على الأسعار. وفي هذا السياق، أشارت وكالة الطاقة الدولية (IEA) إلى أن العرض العالمي لن يلبي إجمالي الطلب هذا العام، حيث أدت النزاعات إلى تراجع الإنتاج الإقليمي، وانخفض الإنتاج الروسي بمقدار 460,000 برميل يومياً في أبريل نتيجة الهجمات المتكررة على المنشآت الطاقية، مما يعمق العجز في المخزونات العالمية التي شهدت تراجعاً حاداً في الشهرين الماضيين.
الدولار والسندات: تفوق العملة الأمريكية كملجأ أخير
حافظ الدولار الأمريكي على مستوياته بالقرب من أعلى مستوى له في أسبوع، مستفيداً من حالة "عدم اليقين المتجدد" في الأسواق. وقد عززت بيانات التضخم لشهر أبريل، التي جاءت "أكثر سخونة" من المتوقع، الرؤية القائلة بأن الفيدرالي سيحافظ على نهجه الحذر ولن يتسرع في خفض الفائدة.
مؤشر الدولار (DXY): ارتفع بنسبة 0.3% ليصل إلى مستوى 98.570، متفوقاً على سلة من ست عملات رئيسية.
اليورو مقابل الدولار (EUR/USD): انخفض بنسبة 0.26% إلى 1.17095 نتيجة تباين التوقعات بين البنك المركزي الأوروبي والفيدرالي.
عائد السندات لأجل 10 سنوات: تراجع بمقدار 0.8 نقطة أساس ليصل إلى 4.463%. هذا التراجع الطفيف في العوائد يعكس استقراراً نسبياً بعد صدمة بيانات التضخم، حيث يبحث المستثمرون عن الأمان في أدوات الدين الحكومية الأمريكية.
البيتكوين وسوق الأصول الرقمية: موازنة بين السيولة والمخاطر
سجلت عملة البيتكوين ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.9% لتصل إلى 81,226 دولاراً. ويرى المحللون، أن السوق يمر بمرحلة "تحرك مدفوع بالسيولة"، حيث تتقاطع بيانات التضخم مع المخاطر الجيوسياسية في آن واحد.
فبينما يعزز التضخم المرتفع جاذبية البيتكوين كأصل "نادر" يشبه الذهب الرقمي، إلا أن ذات البيانات ترفع من عوائد السندات وتجعل المستثمرين أكثر حذراً تجاه الأصول ذات المخاطر العالية (Risk-off). ويظل السوق في حالة ترقب لإطار تنظيمي أوضح في الولايات المتحدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدفقات مؤسسية جديدة بمجرد استقرار الأوضاع السياسية الدولية.
