حصاد الأسواق الأسبوعي: الذهب يتراجع تحت ضغط الدولار والنفط يشتعل وسط توترات مضيق هرمز
شهدت الأسواق العالمية أسبوعاً حافلاً بالتقلبات الحادة، حيث رسمت البيانات الاقتصادية المتضاربة والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط مشهداً معقداً للمستثمرين. وبينما سجل الدولار الأمريكي وعوائد السندات مستويات مرتفعة، واجه الذهب ضغوطاً بيعية مكثفة نتيجة التغير في شهية المخاطر، في حين قفزت أسعار النفط لتسجل علاوة مخاطر إضافية نتيجة القلق المستمر بشأن أمن الملاحة الدولية.
الذهب يسجل أدنى مستوى في أسبوع مع صعود عوائد السندات
هبطت أسعار الذهب إلى أدنى مستوياتها في أكثر من أسبوع خلال تعاملات يوم الجمعة، متأثرة بالارتفاع الجماعي في عوائد سندات الخزانة الأمريكية وقوة العملة الخضراء. وسجل السعر الفوري للذهب تراجعاً بنسبة2.6% ليصل إلى4,527.80 للأوقية، وهو أدنى مستوى له منذ 5 مايو، لينهي الأسبوع على خسارة إجمالية بلغت نحو4%.
ويعزو المحللون هذا التراجع إلى زيادة "تكلفة الفرصة البديلة" لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً؛ فمع وصول عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها في قرابة عام، يفضل المستثمرون التوجه نحو الأصول ذات العوائد الثابتة بدلاً من الملاذات الآمنة التقليدية. كما أدى صعود الدولار، الذي سجل أعلى مكاسب أسبوعية له في شهرين، إلى خلق ضغط مزدوج؛ حيث جعل المعدن أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين من حاملي العملات الأخرى، مما قلص الطلب العالمي وأدى إلى تصفية مراكز شرائية واسعة.
أسعار النفط تقفز وسط تصاعد حدة الصراع الإيراني ومخاوف الإمدادات
على مقلب آخر، سجلت أسعار النفط مكاسب قوية بنحو2% يوم الجمعة، مدفوعة بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية الإيراني، التي قلصت آمال التوصل إلى اتفاق سريع لإنهاء الهجمات على السفن في مضيق هرمز. وتجلى هذا التوتر في الأسعار التي عكست مخاوف حقيقية من تعطل سلاسل التوريد في أحد أهم الممرات المائية في العالم.
تفاصيل أداء النفط خلال الأسبوع:
خام برنت: ارتفع بنسبة2.4% ليصل إلى108.22 للبرميل، محققاً مكاسب أسبوعية إجمالية بنسبة6.8%.
خام غرب تكساس الوسيط (WTI): صعد بنسبة2.4% ليغلق عند104.03 للبرميل، بزيادة أسبوعية ملحوظة قدرها9.0%.
وتشير التقارير الفنية إلى أن حالة عدم اليقين بشأن وقف إطلاق النار الهش والمخاوف من إغلاق ممرات الملاحة الحيوية لا تزال تمثل المحرك الرئيسي والوقود لارتفاع الأسعار. هذا الارتفاع لا يؤثر فقط على قطاع الطاقة، بل يمتد ليشكل ضغطاً تصاعدياً على توقعات التضخم العالمية، مما يضع البنوك المركزية في موقف حرج تجاه سياساتها النقدية القادمة.
الدولار الأمريكي يواصل هيمنته وتوقعات الفائدة تشتعل
واصل الدولار الأمريكي رحلة صعوده لليوم الخامس على التوالي، متجهاً نحو أكبر زيادة أسبوعية له منذ شهرين. ويأتي هذا الأداء القوي في ظل تحول جذري في توقعات السوق، حيث بدأت الأسواق في تسعير سياسات نقدية أكثر تشدداً من قبل الاحتياطي الفيدرالي لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة.
أبرز مؤشرات السياسة النقدية والأسواق المالية:
عوائد السندات: وصلت عوائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات إلى4.581%، وهو مستوى يعكس قلق سوق السندات من استمرار التضخم لفترة أطول.
مؤشر الدولار (DXY): ارتفع بنسبة0.29% ليصل إلى99.23 نقطة، متفوقاً على سلة العملات الرئيسية وفي مقدمتها اليورو.
توقعات الفائدة: وفقاً لأداة "CME FedWatch"، تسعر الأسواق الآن احتمالاً بنسبة48.4% لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر، وهي قفزة هائلة مقارنة بنسبة14.3% فقط قبل أسبوع واحد.
هذا التحول في التوقعات جاء بعد إشارات واضحة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بأن السيطرة على الأسعار تظل الأولوية القصوى، حتى في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي. ويرى المحللون أن الترابط بين أسعار النفط المرتفعة وعوائد السندات يخلق حلقة مفرغة تزيد من قوة الدولار وتضعف العملات المنافسة مثل اليورو الذي سجل أدنى مستوياته في خمسة أسابيع.
سوق العملات الرقمية: بتكوين تواجه "سقفاً فنية" عند82,000
رغم الزخم الإيجابي الذي أحدثه تقدم قانون "CLARITY" في اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، تعثرت مسيرة صعود البتكوين (BTC) بعد وصولها إلى مستوى المقاومة النفسي والفني عند82,000. وتواجه العملة المشفرة الأكبر حالياً حالة من الترقب، حيث تزايدت الضغوط البيعية مع تراجع الطلب عبر صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs).
ويرى الخبراء أن منطقة82,000 تمثل نقطة ارتكاز حرجة، حيث تتقارب عندها المتوسطات المتحركة البسيطة والأسية لمدة 200 يوم، مما يجعلها "سقفاً" يصعب اختراقه دون تدفقات سيولة مؤسسية ضخمة. إن استمرار الاتجاه الصاعد يتطلب تحويل منطقة82,000 -84,000 من منطقة مقاومة إلى مستوى دعم صلب. وفي حال فشل المشترون في الحفاظ على هذه المستويات، فإن التحليل الفني يشير إلى احتمالية حدوث تراجع تصحيحي أعمق قد يهبط بالسعر إلى مستويات تتراوح بين74,000 و77,000.
ختاما يبقى المشهد الاقتصادي العالمي في حالة ترقب، رهيناً بالتطورات الميدانية في مضيق هرمز وقرارات الاحتياطي الفيدرالي المنتظرة. إن الارتباط الوثيق بين أسعار الطاقة والتضخم وعوائد السندات يعني أن أي تصعيد إضافي قد يدفع بالدولار إلى مستويات قياسية جديدة، مما سيزيد من الضغوط على الأسواق الناشئة والسلع الأساسية. يجب على المستثمرين مراقبة بيانات التضخم القادمة بدقة، لأنها ستكون الفيصل في تحديد مسار الفائدة قبل نهاية العام.
