تقرير الأسواق المالية: أسعار الذهب والنفط تحت وطأة التوترات الجيوسياسية وعوائد السندات المرتفعة
شهدت الأسواق المالية العالمية مطلع هذا الأسبوع تحركات متباينة غلبت عليها حالة الحذر والترقب الشديد؛ حيث حاولت أسعار الذهب التعافي من أدنى مستوياتها في نحو شهر ونصف في محاولة لبناء قاع سعري جديد، بينما واصلت أسعار النفط مكاسبها مدفوعة بالتصعيد العسكري المتزايد في منطقة الشرق الأوسط وتوقف محادثات السلام كلياً. وفي الوقت ذاته، ألقت عوائد السندات الحكومية المتزايدة بظلالها على سلة العملات الأجنبية، مما حدّ من خسائر الدولار الأمريكي وأبقى الضغوط قائمة على الأصول التي لا تدر عائداً دورياً، وسط بيئة كلية معقدة تتشابك فيها مخاطر التضخم مع تشديد السياسات النقدية.
أسعار الذهب تحاول التعافي وسط رياح معاكسة من السندات
ارتفعت أسعار الذهب الفورية طفيفاً خلال تعاملات يوم الإثنين، لترتد من أدنى مستوياتها التي سجلتها في وقت سابق من الجلسة (وهو الأدنى منذ 30 مارس الماضي). وسجل الذهب الفوري ارتفاعاً بنسبة 0.2% ليصل إلى 4,546.04 دولاراً للأوقية. وفي المقابل، تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم يونيو بنسبة 0.3% لتستقر عند 4,549.70 دولاراً للأوقية، مما يعكس الفجوة السعرية الطفيفة بين التسليم الفوري والآجل في ظل ضغوط التمويل قصيرة الأجل.
آفاق الذهب الهيكلية مقابل أسعار الفائدة
يرى خبراء الاقتصاد أن التراجع الأخير في أسعار الذهب يمثل تصحيحاً فنياً مفرطاً وناتجاً عن عمليات جني أرباح مكثفة، حيث لا تبدو الأسواق مستعدة للسماح للمعدن الأصفر بالدخول في منطقة "السوق الهابطة" من الناحية الفنية. ويعزى هذا التماسك إلى أن العوامل الهيكلية الداعمة للذهب - مثل الطلب القوي من البنوك المركزية العالمية الساعية لتنويع احتياطياتها بعيداً عن العملات الورقية، والتحوط ضد المخاطر الائتمانية والسيادية - لا تزال قائمة وقوية.
ومع ذلك، يواجه المعدن النفيس ضغوطاً مباشرة ناتجة عن تسعير الأسواق لاحتمالات إبقاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول تسمى بيئة "مرتفعة لفترة أطول" (Higher-for-longer)، بل وتصاعد رهانات رفع الفائدة مجدداً قبل نهاية العام الجاري لمكافحة ضغوط الأسعار المستجدة.
من الناحية الاقتصادية، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات السيادية الخالية من المخاطر إلى زيادة "تكلفة الفرصة البديلة" للاحتفاظ بالذهب؛ فالذهب أصل لا يدر عائداً أو توزيعات أرباح، وعند مقارنته بأدوات الدين التي تقدم عوائد مرتفعة ومضمونة، يميل كبار المستثمرين والمؤسسات الصناديق إلى تسييل جزء من مراكزهم في الذهب وتوجيهها نحو السندات. وبحسب أداة "FedWatch" التابعة لمجموعة "CME"، فإن المتعاملين يسعرون الآن فرصة بنسبة 40% لقيام الفيدرالي برفع الفائدة في شهر ديسمبر المقبل، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في التوقعات التي كانت تميل سابقاً للتيسير.
وفي سياق متصل، بدأت بعض البنوك الاستثمارية الكبرى مراجعة توقعاتها لأسعار الذهب على المدى القريب بسبب هدوء طلب المستثمرين الأفراد عبر صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs). وجاء بنك "جي بي مورغان" (J.P. Morgan) في مقدمة المؤسسات التي خفضت متوسط توقعاتها لسعر الذهب لعام 2026 إلى 5,243 دولاراً للأوقية مقارنة بتوقعاتها السابقة البالغة 5,708 دولاراً للأوقية، مستنداً إلى أن استمرار العوائد المرتفعة سيبطئ وتيرة التدفقات النقدية الجديدة إلى أسواق المعادن الثمينة.
أسعار النفط تواصل الصعود مع تعثر جهود السلام
استمرت أسعار النفط في تسجيل مكاسب إضافية نتيجة التوترات الجيوسياسية المتفاقمة في الشرق الأوسط، وتحديداً عقب ورود تقارير عن استهداف منشأة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد نقل هذا الحادث الصراع إلى مرحلة حرجة من التهديد الوجودي للبنية التحتية للطاقة في المنطقة، مما قوض الآمال تماماً في التوصل إلى تسوية سلمية قريبة وتسبب في قفزة سريعة لعلاوة المخاطر الجيوسياسية المعيارية.
خام برنت: ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.52% أو بمقدار 57 سنتاً لتصل إلى 109.83 دولاراً للبرميل، بعد أن لامست مستوى 112 دولاراً في وقت سابق، وهو الأعلى لها منذ 5 مايو الجاري.
خام غرب تكساس الوسيط (WTI): صعد الخام الأمريكي بنسبة 0.75% أو بمقدار 79 سنتاً ليسجل 106.21 دولاراً للبرميل، بعد أن بلغ أعلى مستوياته منذ 30 أبريل عند 108.70 دولاراً للبرميل، قبيل انتهاء صلاحية عقد شهر يونيو الأمامي.
انسداد شريان التجارة العالمي في مضيق هرمز
تأتي هذه الارتفاعات السعرية المتتالية بعد أسبوع قوي حقق فيه كلا العقدين مكاسب تجاوزت 7% جراء تعثر المحادثات الهادفة لوقف الهجمات واحتجاز السفن التجارية في محيط مضيق هرمز. ويقدر محللو الطاقة أن هناك نحو مليار برميل من النفط باتت شبه محتجزة خلف المضيق المغلق فعلياً، وهو ما يمثل أزمة معقدة لسلاسل التوريد العالمية ومصنع تكرير النفط حول العالم التي تعتمد على انتظام وصول الشحنات.
كما ساهمت الخطابات الحادة المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار العمليات العسكرية المباشرة ضد منتجي النفط والسفن التجارية في المنطقة، في تقديم دعم قوي ومستدام لأسعار النفط الخام. ولم تثمر اللقاءات الأخيرة التي حظيت بمتابعة واسعة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ عن أي مؤشرات تدل على سعي الصين (التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم وتتأثر بشكل مباشر بتكاليف شحن الطاقة) للمساعدة في حل النزاع الإقليمي الدائر، مما أبقى حالة الضبابية مسيطرة على المشهد النفطي العالمي في غياب أي وساطة دبلوماسية قوية من القوتين العظميين.
الدولار يتماسك بدعم من قفزة عوائد السندات ومخاوف التضخم
على الرغم من الانخفاض الطفيف والمؤقت في مؤشر الدولار الأمريكي أمام سلة من العملات الرئيسية، إلا أنه ظل قريباً جداً من أعلى مستوياته المسجلة الأسبوع الماضي. وحصل الدولار على دعم غير مباشر وقوي من الارتفاع الحاد في عوائد السندات العالمية ومخاوف التضخم الناجمة عن قفزة أسعار الطاقة؛ إذ إن ارتفاع تكلفة النفط يعتبر تضخماً مستورداً ومباشراً يغذي أسعار السلع الاستهلاكية ويجبر البنوك المركزية على الحفاظ على سياسات متشددة.
سوق السندات وتوقعات السياسة النقدية والارتباط بالنفط
شهدت أسواق السندات العالمية موجة بيع واسعة النطاق (مما دفع أسعار السندات للهبوط وعوائدها للارتفاع) أدت إلى دفع العوائد إلى مستويات قياسية جديدة:
ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية القياسية لأجل 10 سنوات إلى 4.6310%.
قفز عائد السندات لأجل سنتين (الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة قصيرة الأجل) ليصل إلى 4.1020%.
وتعكس هذه المستويات، وهي الأعلى منذ فبراير 2025، تحولاً جذرياً في توقعات المستثمرين تجاه السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. وفي هذا السياق، أشار محللو بنك "باركليز" (Barclays) في مذكرة بحثية حديثة إلى أن هناك ارتباطاً وثيقاً ومتزايداً بين أسعار الطاقة وأداء العملة الأمريكية؛ حيث تظهر البيانات التاريخية والتحليلية أن الدولار يميل إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 0.5% إلى 1% مقابل كل قفزة تبلغ 10% في أسعار النفط.
ويعود ذلك جزئياً إلى حقيقة أن الولايات المتحدة باتت أقل تأثراً بصدمات الطاقة لكونها منتجاً كبيراً للنفط مقارنة بأوروبا واليابان اللتين تعتمدان بالكامل على استيراد الطاقة، فضلاً عن أن التضخم الناجم عن النفط يدفع الفيدرالي لرفع الفائدة مما يعزز جاذبية الدولار.
وبناءً على هذه المعطيات، باتت الأسواق تسعر الآن فرصة تفوق 50% لرفع أسعار الفائدة الأمريكية بحلول ديسمبر المقبل. وينتظر المستثمرون حالياً صدور محضر الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى بيانات مؤشرات مديري المشتريات التقديرية للولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا الأسبوع للحصول على رؤية أوضح حول مدى عمق قلق البنك المركزي من التضخم المستمر واستدامة الزخم الاقتصادي الحالي في مواجهة معدلات الفائدة المرتفعة.
