الأسواق المالية العالمية تحت ضغط السندات وتصريحات ترامب: تذبذب الذهب وتراجع النفط وصعود الدولار
تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الترقب والحذر الشديدين، مدفوعة بتداخل معقد بين التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والتوجهات المستقبلية للسياسة النقدية الأمريكية. وفي الوقت الذي تلوح فيه في الأفق بوادر تسوية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، تقف عوائد السندات المرتفعة وقوة الدولار الأمريكي حائلاً دون حدوث انفراجة سعرية للأصول غير المدرة للعوائد، مما يضع المستثمرين أمام مشهد استثماري تكتنفه الضبابية وتتجاذبه قوى متباينة.
هذا التجاذب يعكس صراعاً كبيراً بين معنويات التفاؤل بقرب انتهاء النزاع العسكري، وحقائق الاقتصاد الكلي المتمثلة في بقاء معدلات التضخم مرتفعة، وهو ما يجبر البنوك المركزية على الحفاظ على سياسات نقدية متشددة لفترة أطول مما كان متوقعاً.
الذهب يترنح بالقرب من أدنى مستوياته في شهر ونصف
استقرت أسعار الذهب بالقرب من أدنى مستوياتها في نحو شهر ونصف خلال تعاملات اليوم الأربعاء، حيث تضافرت قوة الدولار الأمريكي والارتفاع المستمر لعوائد السندات الأمريكية للحد من المكاسب الهيكلية التي كان يمكن أن يجنيها المعدن الأصفر كملاذ آمن في ظل التفاؤل الحذر بشأن اتفاق سلام محتمل بين واشنطن وطهران.
توازن القوى السعرية للمعدن النفيس
سجل سعر الذهب في المعاملات الفورية نحو 4481.48 دولاراً للأونصة، بعد أن هبط في وقت سابق إلى أدنى مستوى له منذ 30 مارس. كما انخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب لتسليم يونيو بنسبة 0.6% لتصل إلى 4483.70 دولاراً للأونصة.
ويعزى هذا الاستقرار المائل للهبوط إلى عاملين رئيسيين يضغطان على جاذبية المعدن الثمين:
قوة الدولار الأمريكي: الذي يحلق بالقرب من أعلى مستوياته في ستة أسابيع، مما يرفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن المقوم بالعملة الخضراء بالنسبة للمستثمرين من حائلي العملات الأخرى، ويقلص بالتالي الطلب الفعلي في الأسواق الناشئة.
ارتفاع عوائد السندات السيادية: استقرت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات بالقرب من أعلى مستوى لها في أكثر من عام. يترجم هذا الارتفاع مباشرة إلى زيادة "تكلفة الفرصة البديلة" (Opportunity Cost)؛ فحينما تقدم السندات الحكومية "الخالية من المخاطر" عوائد مرتفعة ومغرية، يفضل كبار المستثمرين وصناديق التحوط تسييل مراكزهم في الذهب – الذي لا يدر عائداً أو توزيعات أرباح – وتوجيه تلك السيولة نحو أدوات الدين الثابتة.
بالإضافة إلى ذلك، عززت تصريحات رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، "آنا بولسون"، هذا التوجه بعدما أشارت إلى أن مستويات الفائدة الحالية مناسبة للسيطرة على الضغوط التضخمية المستمرة، ملمحة إلى أن تداول سيناريوهات رفع الفائدة مجدداً يعد أمراً "صحياً" للأسواق، مما أحبط آمال مراهني الذهب على أي خفض قريب للفائدة.
أسعار النفط تتراجع وسط تصريحات ترامب ومخاوف تقلص الإمدادات
سجلت أسعار النفط انخفاضاً بنحو 1% اليوم الأربعاء، متأثرة بالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أكد فيها مجدداً أن الصراع مع إيران سينتهي "بسرعة كبيرة". ومع ذلك، لا يزال القلق يساور المستثمرين بشأن استمرار تعطل الإمدادات الفعلية من منطقة الشرق الأوسط وتأخر عودتها إلى مستويات ما قبل الأزمة.
أداء عقود الخام والتحليل الفني
انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.52 دولار، أو ما يعادل 1.4%، لتصل إلى 109.76 دولاراً للبرميل. وبدورها، تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.36 دولار، أو 1.3%، لتسجل 102.79 دولاراً للبرميل.
ورغم هذا الهبوط الطفيف المدفوع بالتفاؤل السياسي، تشير التوقعات التحليلية الصادرة عن مؤسسات كبرى مثل "سيتي بنك" (Citi) إلى أن أسواق النفط قد تكون قللت بشكل كبير من تقدير مخاطر استمرار انقطاع الإمدادات لفترة طويلة. ويتوقع البنك إمكانية صعود خام برنت إلى 120 دولاراً للبرميل على المدى القريب نظرًا لأن تسوية النزاع سياسياً لا تعني التدفق الفوري للنفط.
ومما يعزز فرضية شح المعروض الحالية في السوق الفعلية:
تراجع علاوة العقود الآجلة (Backwardation): تقلصت العلاوة السعرية لعقود خام برنت للتسليم الفوري مقارنة بعقود الستة أشهر إلى حوالي 21 دولاراً للبرميل، وهي نسبة أقل بكثير من ذروة الشهر الماضي التي تجاوزت 35 دولاراً، لكنها تظل تاريخياً مرتفعة وتؤكد ضيق المعروض الفوري وحاجة التُجّار للمادة الخام بأي ثمن.
اختناق حركة الملاحة في مضيق هرمز: على الرغم من رصد مغادرة ناقلتي نفط عملاقتين للمضيق اليوم محملتين بنحو 6 ملايين برميل من الخام بعد انتظار دام لأكثر من شهرين، إلا أن المعدل اليومي لمرور السفن لا يزال بعيداً جداً عن المعدل الطبيعي البالغ 130 سفينة يومياً قبل اندلاع النزاع.
استنزاف المخزونات الاستراتيجية: للتعويض عن هذا العجز المستمر في المعروض، تواصل الدول المستوردة الكبرى السحب المكثف من احتياطياتها الاستراتيجية والتجارية، وهو إجراء مؤقت لا يمكن استدامته على المدى الطويل، وسيتعين على هذه الدول إعادة بناء مخزوناتها لاحقاً، مما يشكل عاملاً داعماً للأسعار مستقبلاً.
الدولار الأمريكي يحلق عند أعلى مستوى في 6 أسابيع
ارتفع الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوياته في ستة أسابيع مقابل سلة من العملات الرئيسية، تزامناً مع إعادة تقييم المستثمرين للاحتمالات المتزايدة للحاجة إلى أسعار فائدة مرتفعة لمكافحة التضخم الناتج عن تداعيات الحرب؛ حيث سجل مؤشر الدولار الأمريكي ارتفاعاً ليصل إلى مستوى
السندات الأمريكية والسياسة النقدية
تسببت حالة عدم اليقين بشأن موعد وتفاصيل إنهاء الصراع في تأجيج مخاوف التضخم الهيكلي، مما أطلق موجة بيع واسعة النطاق في أسواق السندات العالمية (حيث تنخفض أسعار السندات وترتفع عوائدها). وأدى ذلك إلى قفزة تاريخية في عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً ليصل إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007.
هذه القفزة في العوائد الطويلة الأجل تعكس تخوف الأسواق من تآكل القوة الشرائية للدولار مستقبلاً بفعل التضخم، وتجبر المستثمرين على المطالبة بعائد أعلى للتعويض عن مخاطر المدى الطويل. وفي هذا السياق، ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.1% ليصل إلى 99.47 نقطة، مدعوماً بتدفقات الملاذ الآمن والبحث عن العائد المرتفع، مما ألحق خسائر بالعملات المقابلة:
اليورو: تراجع إلى أدنى مستوى له في ستة أسابيع عند 1.158 دولار، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.16%.
الجنيه الإسترليني: هبط بنسبة 0.07% ليصل إلى 1.338 دولار نتيجة تباين مرونة الاقتصاد البريطاني مقارنة بنظيره الأمريكي.
الدولار الأسترالي: الذي يُعد مقياساً لشهية المخاطرة العالمية، استقر عند 0.711 دولار بعد خسارة حادة بلغت 0.9% في الجلسة السابقة جراء تفضيل المستثمرين للأصول الأكثر أماناً.
وتسير تسعيرات العقود الآجلة الآن نحو ترجيح كفة قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بحلول ديسمبر بنسبة تتجاوز 50%، بناءً على أداة "CME FedWatch"، وهو تحول جذري ومفاجئ عن التوقعات السابقة للحرب والتي كانت تشير وتراهن على خفض الفائدة مرتين، مما يوضح مدى عمق الصدمة التضخمية التي خلفتها الأزمة الحالية.
سوق العملات المشفرة: البيتكوين تتحرك بحذر تحت مستويات الـ 80,000 دولار
شهدت عملة البيتكوين (Bitcoin) ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.5% لتتداول عند 77,311 دولاراً، مستقرة في نطاق ضيق دون مستوى المقاومة النفسي والفني الهام البالغ 80,000 دولار.
ويسود الحذر أوساط متداولي الأصول الرقمية نتيجة التباين الحاد في الرؤى الجيوسياسية؛ فرغم تقارير عبور بعض الناقلات الصينية والكورية لمضيق هرمز كإشارة إيجابية تدل على تراجع حدة التهديدات الأمنية للملاحة، إلا أن تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الذي أشار إلى ضعف تقدم المفاوضات الفعلية بين واشنطن وطهران يبقي معنويات المخاطرة مكبوحة.
وتتجه أنظار المتداولين حالياً نحو حدثين محوريين مرتقبين اليوم:
أرباح شركة إنفيديا (Nvidia): والتي ستصدر بعد إغلاق الأسواق الأمريكية، وتعتبر بمثابة اختبار حقيقي لمدى استدامة طفرة قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولها تأثير مباشر على معنويات أسواق الأسهم والعملات المشفرة المرتبطة بها طردياً.
محضر اجتماع الفيدرالي الأمريكي: والمقرر صدوره لاحقاً، حيث سيبحث المتداولون بين سطوره عن أي تلميحات تفصيلية من أعضاء لجنة السوق المفتوحة حول مدى قلقهم من التضخم الحالي والمدى الزمني المستهدف للإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة.
ختاما تقف الأسواق المالية العالمية حالياً في منطقة انتقالية حرجة بين آمال التهدئة الجيوسياسية وحقائق الاقتصاد الكلي الضاغطة. فرغم تراجع أسعار النفط المؤقت بفعل التصريحات السياسية المتفائلة، إلا أن العوامل الهيكلية العميقة مثل انخفاض المعروض الفعلي وتماسك التضخم تعزز فرضية الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول (Higher for Longer).
هذا التوجه يمنح الدولار الأمريكي دعماً مستداماً على حساب الأصول غير المدرة للعوائد كالذهب، ويبقي أسواق الأسهم والعملات المشفرة رهينة لنتائج الشركات الكبرى وتوجهات الفيدرالي القادمة.
