ترامب يضغط على النفط… والأسواق تعيد تسعير الفائدة
تشهد الأسواق العالمية حالة واضحة من إعادة التسعير، مع تداخل عدة عوامل رئيسية تشمل موقف الاحتياطي الفيدرالي وبيانات التضخم البريطانية وتحسن شهية المخاطرة في أسواق الأسهم وتراجع أسعار النفط بفعل آمال التهدئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
على صعيد السياسة النقدية:
أظهرت محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر أبريل أن أغلب صناع السياسة النقدية ما زالوا يرون أن المزيد من التشديد قد يكون مناسبًا إذا استمر التضخم عند مستويات مرتفعة. كما أشار عدد من الأعضاء إلى ضرورة إزالة الميل نحو التيسير من البيانات المقبلة، وهو ما يعكس رغبة الفيدرالي في إبقاء الباب مفتوحًا أمام سياسة نقدية أكثر تشددًا إذا لم تظهر مؤشرات كافية على تباطؤ الأسعار.
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، بولسون، أن التضخم لا يزال مرتفعًا، وأن الحديث عن خفض الفائدة لا يمكن أن يبدأ بشكل جاد قبل استعادة السيطرة الكاملة على ضغوط الأسعار. هذه التصريحات عززت فكرة أن الفيدرالي لا يريد منح الأسواق إشارة مبكرة على اقتراب دورة التيسير النقدي، حتى مع وجود بعض المؤشرات التي قد توحي بتراجع نسبي في الضغوط التضخمية.
أما في المملكة المتحدة:
فقد أظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لشهر أبريل ارتفاعًا شهريًا بنسبة 0.7% وسنويًا بنسبة 2.8%، وهي أرقام جاءت أقل قليلًا من التوقعات. ورغم أن البيانات تشير إلى بعض الهدوء النسبي في التضخم، فإنها لا تزال لا تمنح بنك إنجلترا مساحة كاملة للتحرك سريعًا نحو خفض الفائدة، خاصة مع استمرار حساسية الأسواق تجاه مسار الأجور وأسعار الخدمات.
في أسواق الأسهم:
سادت موجة صعود قوية بدعم من تحسن شهية المخاطرة عالميًا، مدفوعة بآمال التوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط ونتائج أعمال قوية من كبرى الشركات. ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.08%، وصعد مؤشر داو جونز بنسبة 1.3%، وقفز ناسداك بنسبة 1.5%، مستفيدًا بشكل خاص من الزخم القوي في قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
وكانت أسهم الرقائق من أبرز محركات السوق، بعد أن أعلنت NVIDIA عن إيرادات قوية للربع الأول بلغت 81.6 مليار دولار، متجاوزة التوقعات، مع تقديم توجيهات إيجابية لإيرادات الربع الثاني عند 91 مليار دولار. كما صعد سهم ASML بنسبة 6.7% بعد تعليقات إيجابية بشأن الطلب على الرقائق، ما عزز الاعتقاد بأن قطاع أشباه الموصلات لا يزال أحد أهم محركات النمو في الأسواق العالمية.
وفي أوروبا:
امتدت موجة التفاؤل إلى المؤشرات الرئيسية، حيث ارتفع مؤشر Euro Stoxx 600 بنسبة 1.5%، مدعومًا بتحسن المعنويات العالمية وتراجع الضغوط الجيوسياسية والأداء القوي لأسهم التكنولوجيا والصناعة.
أما في سوق السندات:
فقد تراجعت عوائد السندات الحكومية عمومًا، رغم النبرة المتشددة نسبيًا من الفيدرالي. انخفض عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 8 إلى 10 نقاط أساس ليصل إلى 4.59%، بينما تراجع العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بنحو 10 نقاط أساس إلى 3.1%. هذا التراجع يعكس أن الأسواق بدأت تسعر احتمالات انخفاض المخاطر الجيوسياسية وتراجع بعض الضغوط التضخمية المحتملة، خاصة مع هبوط أسعار النفط.
في سوق السلع:
كان النفط أبرز المتأثرين بالتطورات السياسية، حيث تراجعت الأسعار بقوة على خلفية آمال التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران. انخفض خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 4.73% إلى 102.53 دولار للبرميل، بينما هبط خام برنت بنسبة 4.97% إلى 105.48 دولار للبرميل. ويعكس هذا التراجع أن الأسواق بدأت تسعر احتمال انخفاض علاوة المخاطر الجيوسياسية واحتمالات تحسن المعروض أو تراجع مخاوف الإمدادات.
في المقابل، ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 1.38% إلى 4543.79 دولار للأونصة، بينما صعدت الفضة بنسبة 2.92% إلى 75.85 دولار للأونصة. وجاء هذا الصعود بدعم من تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض العوائد، ما يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعادن النفيسة. كما أن تحسن شهية المخاطرة لا يعني بالضرورة خروج المستثمرين بالكامل من الذهب، خاصة إذا كانت الأسواق ترى أن انخفاض النفط قد يخفف الضغوط التضخمية ويدعم لاحقًا احتمالات تيسير السياسة النقدية.
بشكل عام، تعكس حركة الأسواق حالة إعادة تسعير واسعة. الأسهم استفادت من تحسن شهية المخاطرة ونتائج الشركات القوية. النفط تعرض لضغوط بسبب آمال التهدئة الجيوسياسية. العوائد تراجعت مع انخفاض بعض مخاطر التضخم. المعادن النفيسة استفادت من ضعف الدولار وتراجع العائد الحقيقي المتوقع. ومع ذلك، يبقى موقف الفيدرالي عاملًا حاسمًا، لأن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يعيد الضغط على الأسواق ويدفع المستثمرين إلى مراجعة رهانات خفض الفائدة.
