أسعار الذهب والنفط والدولار: كيف تعيد التوترات الجيوسياسية صياغة أسواق المال العالمية؟
شهدت أسواق المال العالمية تقلبات حادة يوم الثلاثاء، حيث تفاعلت الأدوات الاستثمارية المختلفة بشكل متباين مع التصعيد العسكري الأخير في منطقة الشرق الأوسط. وأدت الضربات العسكرية الأمريكية في إيران إلى تبديد آمال التوصل إلى اتفاق سلام سريع، مما أثار مخاوف جديدة بشأن سلاسل التوريد ورفع معدلات التضخم المدفوع بأسعار الطاقة. وفي هذا السياق، شهدنا تحركات متسارعة طالت أسعار الذهب والنفط والدولار وسط إعادة تقييم المستثمرين لتوقعات السياسة النقدية العالمية.
أسعار الذهب تتراجع تحت وطأة توقعات الفائدة المرتفعة
على الرغم من جاذبية الذهب التقليدية كملاذ آمن في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية، انخفضت أسعار المعدن الأصفر بأكثر من 1% خلال تعاملات يوم الثلاثاء. وجاء هذا التراجع مدفوعاً بزيادة الرهانات على بقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول كأداة لمكافحة التضخم المدعوم بارتفاع أسعار الطاقة.
الذهب الفوري: هبط بنسبة 1.36% ليصل إلى 4,526.86 دولار للأوقية.
العقود الأمريكية الآجلة للذهب (تسليم يونيو): سجلت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1% لتصل إلى 4,527.90 دولار للأوقية.
وتشير أسواق السندات حالياً إلى أن الخطوة التالية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي) قد تكون زيادة أخرى في أسعار الفائدة، وهو ما يمثل ضغطاً سلبياً مباشراً على سوق الذهب؛ فالأصول التي لا تدر عائداً مثل السبائك تواجه صعوبة بالغة في جذب السيولة في بيئات أسعار الفائدة المرتفعة.
وقد أدى أداء اليمين الدستورية لـ كيفين وارش كقائد جديد للمجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الجمعة إلى تعزيز توقعات الأسواق بتبني سياسة نقدية عالمية أكثر تشدداً. وتتوقع الأسواق حالياً بنسبة كبيرة قيام الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في شهر ديسمبر المقبل.
أسعار النفط تقفز 3% وسط تصاعد المخاوف حول مضيق هرمز
في المقابل، قفزت أسعار النفط الخام العالمي بنسبة تجاوزت 3% في أعقاب الضربات الأمريكية الأخيرة في جنوب إيران، مما أثار حالة من عدم اليقين بشأن التوصل إلى اتفاق وشيك ينهي الصراع الدائر ويضمن تدفق حركة الشحن البحري بحرية.
خام برنت العالمي: ارتفع بمقدار 2.95 دولار، أو ما يعادل 3.07%، ليستقر عند 99.09 دولار للبرميل، بعد أن كان قد أغلق على انخفاض بنسبة 7% يوم الاثنين.
خام غرب تكساس الوسيط (WTI): تراجع بنسبة 3.91% مقارنة بإغلاق الجمعة ليسجل 92.82 دولار (علماً بأنه لم تكن هناك تسوية يوم الاثنين بسبب عطلة يوم الذكرى في الولايات المتحدة).
وصرح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بأن التفاوض على اتفاق مع إيران قد "يستغرق بضعة أيام"، مما بدد الآمال بإنهاء سريع للأزمة بعد يوم واحد من الضربات الدفاعية الأمريكية.
ما زلنا ننتظر المزيد من التفاصيل بشأن اتفاق محتمل. في غضون ذلك، نشهد تصاعداً جديداً للتوترات في الشرق الأوسط، بينما تظل التدفقات عبر مضيق هرمز مقيدة، حيث أن أي اتفاق سلام مستقبلي قد يؤدي فقط إلى إعادة فتح تدريجي للممرات المائية، مما يعني أن شح الإمدادات الحالي قد يستغرق أشهراً ليعود إلى طبيعته. وتجدر الإشارة إلى أن طهران أوقفت تقريباً كافة الشحنات غير الإيرانية عبر مضيق هرمز منذ بدء النزاع، وهو الممر الذي يتدفق عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
الدولار يتماسك كملاذ آمن مع تباطؤ آمال الهدنة
استفاد الدولار الأمريكي من حالة الحذر السائدة في الأسواق، حيث تماسك وحقق مكاسب طفيفة أمام العملات الرئيسية الأخرى مع تراجع تفاؤل المستثمرين بوقف سريع لإطلاق النار.
مؤشر الدولار: ارتفع بنسبة طفيفة بلغت 0.135% ليصل إلى 99.15 نقطة بعد تراجعه بنسبة 0.3% في الجلسة السابقة.
اليورو مقابل الدولار: انخفض بنسبة 0.15% ليصل إلى 1.16265 دولار.
الجنيه الإسترليني: تراجع بنسبة 0.3% ليسجل 1.3465 دولار.
الدولار مقابل الفرنك السويسري: ارتفع بنسبة 0.29% ليصل إلى 0.785.
وأفاد مارك تشاندلر، كبير استراتيجيي السوق في Bannockburn Global Forex في نيويورك، بأن الطلب على العملة الخضراء قد انتعش نتيجة تراجع ثقة المستثمرين بإنهاء سريع للمواجهات، مضيفاً: "الأمر واضح ومباشر؛ غادرنا عطلة نهاية الأسبوع معتقدين أننا نقترب من وقف إطلاق النار، والآن نواجه أعمالاً عدائية جديدة. أعتقد أن السوق يترقب التطورات السياسية والجيوسياسية بحذر شديد".
تراجع ثقة المستهلك الأمريكي بسبب مخاوف التضخم
أظهرت البيانات الاقتصادية الصادرة حديثاً تراجعاً في مستويات ثقة المستهلك الأمريكي لشهر مايو، نتيجة تفاقم المخاوف من حدوث موجة تضخمية جديدة مرتبطة بالصراع مع إيران. وتفوقت هذه المخاوف التضخمية على التحسن الذي طرأ على نظرة الأسر الإيجابية لفرص سوق العمل.
ويعود ذلك إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار النفط يغذي التضخم بشكل مباشر، حيث يضطر المصنعون والشركات إلى نقل تكاليف الإنتاج والشحن المرتفعة إلى المستهلكين النهائيين، مما يضع مزيداً من الضغوط على البنك المركزي للاستمرار في مسار التشدد النقدي.
