تقرير الأسواق: توترات الشرق الأوسط تشعل أسعار النفط وتضغط على الذهب والبيتكوين وسط قوة الدولار
شهدت الأسواق المالية العالمية يوم الإثنين تقلبات حادة وعنيفة، مدفوعة بالتصعيد الجيوسياسي المتسارع في منطقة الشرق الأوسط وتوقف القنوات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. وانعكست هذه التوترات مباشرة على حركة الأصول الأساسية؛ حيث سجلت أسعار النفط قفزة قياسية، في حين تعرضت الملاذات الآمنة التقليدية كالذهب، والحديثة كالبيتكوين، لضغوط بيعية حادة نتيجة لتوقعات بقاء معدلات الفائدة مرتفعة لفترة أطول ومخاوف التضخم المتزايدة.
أسعار النفط تقفز بأكثر من 6% وسط تهديدات بإغلاق مضيق هرمز
سجلت أسعار النفط الخام مكاسب قوية خلال تعاملات يوم الإثنين، حيث ارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 6.02 دولار، أو ما يعادل 6.6%، لتصل إلى 97.14 دولار للبرميل. وبدورها، قفزت العقود الآجلة للخام الأمريكي (غرب تكساس الوسيط) بمقدار 6.68 دولار، أو بنسبة 7.7%، لتستقر عند 94.04 دولار للبرميل.
أسباب الاشتعال المفاجئ لأسواق الطاقة:
توقف الدبلوماسية: أوردت وكالة "تسنيم" الإيرانية للأنباء أن الفريق الإيراني المفاوض أوقف تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، وذلك احتجاجاً على الهجمات الأخيرة في لبنان.
التهديد بقطع الممرات المائية: تدرس طهران وحلفاؤها في "جبهة المقاومة" إجراءات تهدف إلى الإغلاق الكامل لمضيق هرمز الاستراتيجي، بالإضافة إلى تضييق الخناق على ممرات مائية حيوية أخرى بما في ذلك مضيق باب المندب.
التصعيد العسكري الميداني: جاءت هذه التطورات بعد تبادل ضربات عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وإصدار إسرائيل أوامر لقواتها بالتوغل عمقاً في الأراضي اللبنانية لمواجهة جماعة حزب الله المدعومة من طهران.
وتأتي هذه القفزة بعد شهر مايو الذي شهد خسائر فادحة لأسعار النفط؛ حيث تراجع برنت والخام الأمريكي بنحو 19% و 17% على التوالي، مسجلين أكبر هبوط شهري لهما بالقيمة المطلقة منذ مارس 2020 إبان تفشي جائحة كورونا.
الذهب يتراجع بنسبة 2% تحت وطأة مخاوف الفائدة والتضخم
على خلاف سلوكه المعتاد كملاذ آمن وقت الأزمات الجيوسياسية، سجل الذهب الفوري تراجعاً حاداً يوم الإثنين بنسبة 1.9% ليصل إلى 4,451.65 دولار للأوقية، بعد أن كان قد سجل أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة الماضي. كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة 2.5% لتصل إلى 4,479.20 دولار.
{نسبة هبوط الذهب الفوري} = -1.9%
{سعر الأوقية} = 4,451.65
تفسير التراجع غير المتوقع للمعدن الأصفر:
يرى المحللون أن تصاعد حدة الصراع الإقليمي أثار مخاوف جديدة بشأن اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يترجم فوراً إلى تغذية الضغوط التضخمية عالمياً. هذا التضخم المتوقع يعزز من احتمالات قيام البنوك المركزية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بالإبقاء على السياسة النقدية المشددة وأسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول كأداة لكبح التضخم.
حيث إن التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المرجح أن تبقي الذهب تحت الضغط البيعي، ما لم تتوقف عوائد السندات عن الارتفاع وتبدأ الأسعار في الاستقرار أو الاتجاه نحو الانخفاض.
الدولار الأمريكي يستعيد قوته ويضغط على العملات الرئيسية
استفاد الدولار الأمريكي من حالة عدم اليقين السائدة؛ حيث ارتفع مؤشر الدولار - الذي يقيس أداء العملة الخضراء أمام سلة من ست عملات رئيسية - بنسبة 0.36% ليصل إلى مستوى 99.368 نقطة، معوضاً خسائره الطفيفة التي سجلها الأسبوع الماضي بنسبة 0.4%.
وجاء هذا الصعود بعد تراجع الآمال بفرص تمديد وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، في حين تترقب الأسواق احتمالية إقدام الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة هذا العام لمواجهة التضخم الناتج عن إغلاق شريان النفط الرئيسي (مضيق هرمز).
أداء العملات الأخرى أمام الدولار:
اليورو: تراجع بنسبة 0.44% ليسجل 1.1609 دولار.
الجنيه الإسترليني: انخفض بنسبة 0.3% ليصل إلى 1.3412 دولار.
وفي حال إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة وتراجع أسعار النفط، فمن المرجح أن يضعف الدولار في المدى القصير، لتتفوق في الأداء العملات الحساسة للمخاطر مثل الكرونة السويدية.
البيتكوين يهبط لأدنى مستوى في 7 أسابيع وسهم "ستراتيجي" يتراجع
لم تسلم العملات المشفرة من موجة الاضطرابات الجيوسياسية؛ حيث هبطت عملة البيتكوين إلى أدنى مستوى لها في سبعة أسابيع لتصل إلى مستويات متدنية عند 71,212 دولار وفقاً لبيانات "إل إس إي جي" (LSEG)، مسجلة تراجعاً بنسبة 2.8% خلال الـ 24 ساعة الماضية.
ضغط مزدوج على العملة المشفرة الأكبر عالمياً:
إلى جانب التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط وتوقف المحادثات الأمريكية الإيرانية، تأثرت معنويات المستثمرين في قطاع الكريبتو بإعلان شركة "ستراتيجي" (Strategy) - الحائز الأكبر للبيتكوين في العالم والتي كان يرأسها "مايكل سيلور" وتبنت العملة كأصل احتياطي رئيسي - عن بيع جزء من حيازتها.
وكشف الإفصاح المالي للشركة يوم الإثنين عن بيع 32 وحدة بيتكوين في الفترة ما بين 26 و 31 مايو، بقيمة إجمالية بلغت 2.5 مليون دولار (بمتوسط سعر يتراوح بين 75,699 و 77,135 دولار للوحدة). وتمثل هذه الخطوة خروجاً تاريخياً عن استراتيجية سيلور الشهيرة المتمثلة في "عدم البيع مطلقاً"، علماً بأن المرة الوحيدة السابقة التي باعت فيها الشركة كمية من البيتكوين كانت في عام 2022 لأغراض ضريبية بحتة.
واستجابة لهذه الأنباء، هبط سهم شركة "ستراتيجي" بنسبة 6.2% في تعاملات الإثنين، متجهاً نحو تسجيل أكبر تراجع يومي له منذ شهر مارس الماضي. وأوضحت الشركة أن عوائد عملية البيع ستُستخدم لتمويل توزيعات الأرباح على الأسهم الممتازة.
خلاصة مشهد الأسواق والآفاق المستقبلية
تظهر التحركات الحالية لأسواق المال العالمية مدى الترابط الوثيق والتعقيد الشديد بين المشهد الجيوسياسي والسياسات النقدية للبنوك المركزية. فبينما استمرت أسواق الأسهم العالمية في الحفاظ على استقرارها النسبي قرب مستويات قياسية بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي المستمرة، واجهت الأصول التقليدية والمشفرة ضغوطاً تصحيحية نتيجة لسيناريو "التضخم المرتفع وأسعار الفائدة الأطول أمداً". وستظل حركة مضيق هرمز وتطورات الوضع الميداني في لبنان المحركين الأساسيين لاتجاه الأسواق في الأيام القليلة القادمة.
