اجتماع الفيدرالي الأمريكي الأول بقيادة وارش: هل يدفع التضخم نحو رفع أسعار الفائدة؟
يبدأ اجتماع الفيدرالي الأمريكي، اليوم الثلاثاء، في منعطف تاريخي واقتصادي بالغ الأهمية؛ حيث يترأس كيفين وارش أول اجتماع للسياسة النقدية بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للمجلس الشهر الماضي. ويأتي هذا الاجتماع المستمر على مدار يومين في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي ضغوطاً مزدوجة تتمثل في بقاء معدلات التضخم عند أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، والتوترات السياسية غير المسبوقة التي تحيط باستقلالية البنك المركزي الأبرز في العالم.
تثبيت متوقع لأسعار الفائدة وأول اختبار لوارش
تشير التوقعات السائدة في الأسواق المالية وبورصة شيكاغو التجارية عبر أداة "CME FedWatch" إلى أن صناع السياسة النقدية بصدد الإبقاء على أسعار الفائدة الأمريكية دون تغيير عند نطاق يتراوح بين 3.50% و 3.75%. ويمثل هذا القرار تمديداً لفترة التوقف المؤقت عن خفض الفائدة المعمول بها منذ بداية العام الجاري.
ومع ذلك، لن يكون القرار بحد ذاته هو محور التركيز الوحيد؛ بل ستتجه الأنظار نحو المؤتمر الصحفي الأول لكيفين وارش، واللغة التي سيستخدمها الفيدرالي في بيانه الرسمي لإرسال إشارات للأسواق حول توجهاته المستقبلية. كما سيصدر المجلس توقعاته الاقتصادية الربع سنوية، والتي تتضمن تقديرات النمو، والتضخم، والمسار المستقبلي لأسعار الفائدة عبر ما يُعرف بـ "مخطط النقاط" (Dot Plot).
التضخم واتفاق واشنطن وطهران: هدوء مؤقت للأسواق؟
يأتي اجتماع الفيدرالي الأمريكي في وقت حساس اقتصادياً؛ حيث قفز معدل التضخم في أمريكا للشهر الثالث على التوالي ليتجاوز حاجز 4% في مايو الماضي قبل أن يستقر مؤخراً عند 3.8%، وهو ما يعادل تقريباً ضعف المستهدف الرسمي للبنك المركزي البالغ 2%.
وقد نتجت هذه القفزة بشكل أساسي عن أزمة الطاقة العالمية إثر إغلاق مضيق هرمز نتيجة النزاع في الشرق الأوسط، مما أدى إلى صدمة نفطية رفعت أسعار الوقود بشكل كبير. ومع إعلان الرئيس دونالد ترامب مؤخراً عن التوصل إلى اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإعادة فتح المضيق وضمان تدفق الإمدادات النفطية، تراجعت أسعار الخام والوقود بشكل ملحوظ لتهبط أسعار البنزين دون حاجز 4 دولارات للجالون للمرة الأولى منذ مارس.
ورغم التفاؤل بالاتفاق التاريخي المقرر توقيعه رسمياً يوم الجمعة المقبل في سويسرا، يرى خبراء اقتصاد أن التداعيات غير المباشرة للصدمة النفطية السابقة قد تغلغلت بالفعل في مفاصل الاقتصاد، مما يعني أن احتواء التضخم قد يستغرق وقتاً أطول.
انقسام داخل المجلس وضغوط لرفع الفائدة
تتزايد الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لاتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة الأسعار المرتفعة، لاسيما مع استمرار قوة سوق العمل الأمريكي ومرونته؛ حيث أظهر تقرير الوظائف الأخير وتيرة توظيف قوية تفوق التوقعات. وتمنح قوة التوظيف صناع السياسة النقدية الضوء الأخضر لرفع الفائدة إذا دعت الحاجة دون الخوف من التسبب في ركود سريع.
وفي هذا السياق، كشف استطلاع حديث أجرته صحيفة "فاينانشال تايمز" بالتعاون مع مركز "كلارك" للأسواق العالمية التابع لجامعة شيكاغو، أن أغلبية ضئيلة من الأكاديميين والاقتصاديين يتوقعون اضطرار الفيدرالي إلى رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية على الأقل قبل نهاية عام 2026 لكبح التضخم. ويمثل هذا تحولاً جذرياً مقارنة باستطلاع مارس الماضي، حيث كانت الأغلبية ترجح خفض الفائدة بنهاية العام.
وتشير التقارير إلى أن هناك ما لا يقل عن 4 أعضاء من أصل 12 عضواً مصوتاً في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة يميلون حالياً نحو التلويح بإمكانية رفع الفائدة كخيار مكافئ لخيار خفضها في الخطوة المقبلة للبنك.
استقلالية الفيدرالي تحت المجهر والضغوط السياسية
تنعقد أعمال هذا الاجتماع وسط أجواء مشحونة بالتوترات السياسية. فقد عيّن الرئيس دونالد ترامب كيفين وارش رئيساً للفيدرالي، وكان وارش قد أعرب سابقاً عن رغبته في خفض الفائدة تماشياً مع مطالبات ترامب المتكررة. غير أن المحللين يرجحون ألا تخضع قرارات وارش للضغوط الرئاسية المباشرة، بل ستعتمد كلياً على البيانات الاقتصادية الصادرة.
وتتجلى أزمة استقلالية البنك في قرار رئيس الفيدرالي السابق، جيروم باول، البقاء عضواً في مجلس المحافظين حتى انتهاء ولايته كعضو في يناير 2028، رافضاً الاستقالة التقليدية عقب استبداله كرئيس. وجاءت هذه الخطوة من باول كإجراء للدفاع عن استقلالية البنك ضد ما اعتبره تدخلات سياسية، وذلك بعد إغلاق وزارة العدل تحقيقاً جنائياً موجهاً ضده بشأن تجاوزات تكاليف ترميم مكاتب الفيدرالي، وهو التحقيق الذي وصفه باول بأنه مدفوع سياسياً للتأثير على قرارات الفائدة.
وفي سياق متصل، لا تزال جهود ترامب لإقالة عضو مجلس المحافظين ليزا كوك بتهم تتعلق بالاحتيال العقاري معلقة، بانتظار قرار المحكمة العليا الأمريكية للفصل في مدى قانونية هذه الإقالة.
أجندة وارش الإصلاحية: "تغيير نظام" مالي هادئ
عرف وارش قبل توليه منصبه بدعواته المستمرة لإجراء إصلاحات هيكلية واسعة في البنك المركزي الأمريكي، أو ما يصفه بـ "تغيير النظام". وتتضمن أجندته الطموحة:
تقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي.
عادة صياغة لغة التواصل مع الأسواق عبر الحد من أسلوب "التوجيه المسبق" (Forward Guidance) الذي يرى أنه يقيد مرونة البنك النقدية.
تعديل وتيرة المؤتمرات الصحفية؛ حيث يرى وارش أن الفيدرالي يفرط في التواصل، ولا تتوفر ضرورة لعقد مؤتمر صحفي عقب كل اجتماع مالم يكن هناك قرار مفصلي لإعلانه.
ومع ذلك، يتوقع خبراء الاقتصاد من بنوك استثمارية كبرى مثل "باركليز" و"بنك أوف أمريكا" أن يسلك وارش مساراً تدريجياً وتدبلوماسياً في اجتماعه الأول لتجنب إحداث صدمات غير ضرورية في الأسواق المالية. ومن المرجح أن يتخلى الفيدرالي في بيانه الحالي عن "تحيز التيسير النقدى" (Easing Bias)، مما يعطي دلالة واضحة على أن مسار أسعار الفائدة مستقبلاً سيتسم بالمرونة والحياد التام.
مخاوف الأسواق المالية ومخاطر السندات السيادية
إلى جانب معضلة الفائدة والتضخم، تحذر الأوساط الأكاديمية والاستثمارية من مخاطر تلوح في الأفق الاستثماري؛ إذ أبدى نحو ثلاثة أرباع الاقتصاديين المستطلعين تخوفهم من احتمال حدوث تراجع حاد بنسبة تصل إلى 20% في مؤشر "S&P 500" خلال العام المقبل. ويعود هذا القلق المتزايد إلى تركز مكاسب البورصات القياسية في قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات بشكل ضيق للغاية (وارتباطها بطفرة الذكاء الاصطناعي)، تزامناً مع تراكم الديون السيادية الأمريكية بمعدلات مقلقة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وتفوق هذه المديونية بمراحل مستوياتها المسجلة إبان الأزمة المالية العالمية لعام 2008، مما يحد من قدرة الإدارة على تحفيز الاقتصاد مستقبلاً في حال مواجهة أي صدمة مفاجئة.
في الختام، يمثل هذا الاجتماع تدشيناً لعهد جديد في السياسة النقدية الأمريكية؛ فبين ضغوط التضخم المستمر ورغبة الإدارة السياسية في خفض كلفة الاقتراض، سيتعين على كيفين وارش ومجلس الفيدرالي صياغة استراتيجية حذرة تحفظ للبنك مصداقيته واستقلاليته وتضمن استقرار الأسواق العالمية.
