قرارات الاحتياطي الفيدرالي المرتقبة تضع أسواق الذهب والنفط في حالة ترقب شديد
تشهد أسواق المال العالمية حالة من حبس الأنفاس والترقب الحذر مع اقتراب الإعلان عن قرارات الاحتياطي الفيدرالي المرتقبة اليوم. ويأتي هذا الاجتماع في ظروف استثنائية يتقاطع فيها المشهد الجيوسياسي المعقد مع تحولات جذرية في القيادة النقدية الأمريكية؛ حيث يمثل هذا الاجتماع الظهور الأول لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفين وارش.
المستثمرون المحترفون يراقبون عن كثب كيف سيوائم وارش بين تاريخه المنحاز للسياسات التشددية (Hawkish)، والضغوط السياسية المطالبة بخفض أسعار الفائدة، بالتزامن مع تراجع وتيرة التضخم إثر الاتفاق التاريخي الأخير بين الولايات المتحدة وإيران.
كيف تؤثر قرارات الاحتياطي الفيدرالي المرتقبة على معنويات المستثمرين؟
على الرغم من أن التوقعات شبه الإجماعية في الأسواق تشير إلى تثبيت أسعار الفائدة في هذا الاجتماع، إلا أن الأهمية القصوى تكمن في "البيان الاستشرافي" والمؤتمر الصحفي الذي سيعقبه. يبحث المحللون وصناع القرار عن أي إشارات تدل على تخلي البنك المركزي عن "التحيز التيسيري" (Easing Bias) والتركيز على كبح مخاطر التضخم الهيكلي.
تتجه الأنظار بصفة خاصة إلى ما يُعرف بـ "مخطط النقاط" (Dot Plot)، والذي يوضح توقعات الأعضاء لـ قرارات الاحتياطي الفيدرالي المستقبلية بشأن أسعار الفائدة. وتظهر بيانات السوق حالياً تراجع احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر إلى نحو 59% مقارنة بـ 70% في الأسبوع الماضي، وهو تحول يعزى مباشرة إلى انخفاض أسعار الطاقة ومخاطر التضخم المستورد عقب توقيع الاتفاق الدبلوماسي مع طهران.
الذهب يستقر قرب أعلى مستوياته وسط ترقب لسياسات «وارش»
في أسواق المعادن الثمينة, حافظت أسعار الذهب على استقرارها النسبي قرب أعلى مستوياتها في أسبوع، مدعومة بحالة الحذر العام. وسجل الذهب في المعاملات الفورية استقراراً عند 4328.67 دولار للأونصة، بعد أن لامس أعلى مستوى له في أسبوع عند 4370.82 دولار. في حين تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي لتسليم أغسطس بنسبة طفيفة بلغت 0.1% لتستقر عند 4348.40 دولار.
تاريخياً، يفقد الذهب بريقه الاستثماري عندما تتجه قرارات الاحتياطي الفيدرالي نحو الإبقاء على معدلات فائدة مرتفعة، نظراً لكونه أصلاً لا يدر عائداً مباشراً. ومع ذلك، يرى الخبراء الاستراتيجيون في بنك "ويستباك" (Westpac) أن الدعم الهيكلي طويل الأجل للمعدن الأصفر سيستمر مدفوعاً بالطلب الآسيوي القوي والمشتريات المستمرة من البنوك المركزية كأداة تحوط أساسية ضد المخاطر الجيوسياسية وسياسات الاقتصاد الكلي.
وعلى صعيد المعادن النفيسة الأخرى:
تراجعت الفضة الفورية بنسبة 0.1% لتصل إلى 70.12 دولار للأونصة.
خسر البلاتين بنسبة 1% مسجلاً 1786.25 دولار.
هبط البلاديوم بنسبة 0.2% إلى 1348.64 دولار.
هدنة النفط: كيف غير الاتفاق الأمريكي الإيراني حسابات التضخم؟
تزامناً مع ترقب الأسواق لقرارات الاحتياطي الفيدرالي، استقرت أسعار النفط قرب أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر. ويأتي هذا الاستقرار في وقت يوازن فيه المستثمرون بين الآثار المترتبة على الاتفاق الدبلوماسي الأخير وتحذيرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) من تخمة معروض مرتقبة بحلول عام 2027.
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو سنتين لتصل إلى 78.98 دولار للبرميل، بينما كسب خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 3 سنتات ليسجل 76.08 دولار للبرميل. وكانت الأسعار قد هوت بنحو 5% لجلستين متتاليتين مدفوعة بالآمال في عودة التدفقات النفطية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي بموجب الاتفاق المؤقت الذي يسمح لإيران ببيع نفطها فور التوقيع وتمديد وقف إطلاق النار لـ 60 يوماً إضافية.
مراجعات الأسعار وتوقعات العرض والطلب:
توقعات غولدمان ساكس: قام البنك بخفض توقعاته لأسعار خام برنت للربع الرابع من عام 2026 إلى 80 دولاراً للبرميل بدلاً من التوقعات السابقة البالغة 90 دولاراً، مشيراً إلى انحسار مخاطر الصعود الحاد في أسعار الطاقة.
رؤية وكالة الطاقة الدولية لعام 2027: تتوقع الوكالة حدوث فائض ضخم في المعروض العالمي؛ حيث من المقدر أن يرتفع الإمداد بمقدار 8 ملايين برميل يومياً، مقابل نمو في الطلب لا يتجاوز 2 مليون برميل يومياً فقط.
سوق العملات الأجنبية والعملات الرقمية: حذر يسود المشهد
تنعكس الضبابية المحيطة بـ قرارات الاحتياطي الفيدرالي على أداء الدولار والعملات الرئيسية الأخرى:
استقرار الدولار والعملات الرئيسية
حافظ الدولار الأمريكي على استقراره بانتظار المؤتمر الصحفي لكيفين وارش. واستقر اليورو عند 1.1605 دولار، بينما سجل الجنيه الإسترليني تراجعاً طفيفاً إلى 1.3420 دولار عقب بيانات تضخم بريطانية جاءت أهدأ من المتوقع عند 2.8\% لشهر مايو، مما يمنح بنك إنجلترا (BoE) مبرراً للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل.
تحركات الين الياباني والكرونة السويدية
الين الياباني: استقر الين عند 160.25 مقابل الدولار، وسط ترقب مستمر لتدخل السلطات اليابانية لدعم العملة الوطنية، خاصة بعد قرار بنك اليابان (BOJ) برفع الفائدة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً كخطوة نحو تطبيع السياسة النقدية.
الكرونة السويدية: سجلت ضعفاً أمام اليورو والدولار عقب تثبيت البنك المركزي السويدي لأسعار الفائدة، على الرغم من إشارته إلى أن التوترات الجيوسياسية السابقة قد رفعت احتمالات الضغوط التضخمية.
الحذر يسيطر على الأصول عالية المخاطر (البيتكوين)
تراجعت عملة البيتكوين الرقمية بنسبة طفيفة بلغت 0.4\% لتستقر عند 65,522 دولار. ويعكس هذا التراجع عزوف المستثمرين المؤقت عن الأصول ذات المخاطر العالية بانتظار اتضاح الرؤية الاقتصادية والنقدية من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة كيفين وارش، خاصة مع ترقب الأسواق لمدى صمود الاتفاق الدبلوماسي الأخير أمام أي تصعيد ميداني قد يغير من حسابات التضخم العالمي ويؤثر على السيولة وتدفقات رؤوس الأموال الاستثمارية في سوق العملات الرقمية.
أن تفاعل العوامل الجيوسياسية متمثلة في الاتفاق الدبلوماسي وتراجع أسعار النفط يمنح الفيدرالي مساحة أكبر للمناورة ويهدئ من مخاوف التضخم الفوري. ومع ذلك، تظل الأسواق رهينة الإشارات التوجيهية التي سيقدمها كيفين وارش في مؤتمره الصحفي الأول. بالنسبة للمحافظ الاستثمارية الكبرى، فإن التحوط يظل الاستراتيجية الأنسب حتى تتضح الملامح الدقيقة للمسار النقدي الجديد في أكبر اقتصاد في العالم.
