ترقب في الأسواق: أسعار الذهب والنفط تتماسك قبيل قرار الفيدرالي الأمريكي الأول بقيادة "وارش"
شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الاستقرار الحذر والترقب والتحركات المتباينة اليوم الأربعاء، حيث يمتنع المستثمرون عن اتخاذ مراكز مالية كبرى انتظاراً لحدثين بارزين: أولاً، الإعلان عن قرار السياسة النقدية الأول لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تحت قيادة رئيسه الجديد "كيفين وارش". وثانياً، وضوح الرؤية بشأن مآل الاتفاق الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيراته الجيوسياسية على إمدادات الطاقة العالمية.
أسعار الذهب تترقب كلمة السر من "كيفين وارش" والاتفاق الأمريكي الإيراني
حافظت أسعار الذهب الفورية على استقرارها النسبي خلال التعاملات المبكرة، لتسجل نحو 4,325.59 دولاراً للأونصة (الأوقية) بحلول الساعة 8:20 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (12:20 بتوقيت جرينتش). وفي المقابل، تراجعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة بنسبة طفيفة بلغت 0.2% لتصل إلى 4,345.00 دولاراً.
وتتجه كافة الأنظار إلى واشنطن، حيث من المقرر أن يصدر الفيدرالي الأمريكي بيان سياسته النقدية وتوقعاته الاقتصادية المحدثة (مخطط النقاط Dot Plot)، يليه المؤتمر الصحفي الأول لـ "كيفين وارش" الذي تولى رئاسة البنك المركزي خلفاً لجيروم باول الشهر الماضي.
مستويات الدعم والمقاومة الفنية للذهب
وفقاً الأسواق المالية، فإن المعدن الأصفر يبدي حساسية مفرطة تجاه توقعات أسعار الفائدة والتوجهات العامة للسياسة النقدية. ويُتوقع أن تسلك الأسعار المسارات التالية بناءً على التحليل الفني:
سيناريو الصعود: في حال استقرار الأسعار فوق مستوى الدعم المحوري البالغ 4,300 دولاراً للأونصة، فقد يدفع ذلك الأسعار نحو اختبار مستوى المقاومة التالي عند 4,350 دولاراً.
سيناريو الهبوط: كسر مستوى الدعم 4,300 دولاراً لأسفل قد يطلق موجة بيعية تدفع بالذهب للتراجع مجدداً نحو مستويات الدعم العميقة المتراوحة بين 4,200 و 4,250 دولاراً للأونصة.
وعلى المدى الطويل، تشير التوقعات الأساسية لبعض بيوت الخبرة إلى إمكانية وصول الذهب إلى قاع دوري بين أواخر عام 2026 وأوائل عام 2027، مع احتمال تداوله بمتوسط يناهز 4,000 دولاراً للأونصة بحلول نهاية العام الجاري، في حين قد يستقر سعر الفضة عند حوالي 60 دولاراً.
أسعار النفط ترتفع وسط تهديدات ترامب وتحذيرات وكالة الطاقة الدولية
ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 1% خلال تعاملات اليوم الأربعاء، مستفيدة من عودة المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي هدد فيها باستئناف الحملة العسكرية ضد إيران إذا لم تلتزم ببنود الاتفاق، مشيراً إلى أن مذكرة التفاهم الحالية ليست نهائية.
ورغم هذا الصعود، تظل أسعار الخام قريبة من أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر نتيجة مخاوف هيكلية تتعلق بزيادة المعروض العالمي على المدى المتوسط:
خام برنت: ارتفع بمقدار 93 سنتاً (حوالي 1.2%) ليصل إلى 79.89 دولاراً للبرميل.
خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي: كسب 79 سنتاً (حوالي 1%) ليصل إلى 76.84 دولاراً للبرميل.
تراجع مخزونات النفط الأمريكية والآفاق المستقبلية لعام 2027
من الناحية الأساسية، أفادت مصادر السوق نقلاً عن بيانات معهد البترول الأمريكي (API) بانخفاض حاد في مخزونات الخام الأمريكية بمقدار 8.3 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 12 يونيو، وهو ما فاق توقعات المحللين التي كانت تشير إلى سحب قدره 4.6 ملايين برميل فقط.
لكن على المدى الأبعد، حمل التقرير الأول لوكالة الطاقة الدولية (IEA) لعام 2027 تحذيراً شديد اللهجة للأسواق؛ حيث أشارت الوكالة إلى أن سوق النفط ستواجه فائضاً ضخماً في الإمدادات. ومن المتوقع أن يرتفع المعروض العالمي بمقدار 8 ملايين برميل يومياً، بينما لن يرتفع الطلب سوى بمقدار 2 مليون برميل يومياً فقط، مما قد يؤدي إلى ضغوط هبوطية مستمرة على الأسعار مستقبلاً.
الدولار يرتفع وسط ترقب حذر للتوجهات الجديدة للفيدرالي الأمريكي
في سوق العملات، سجل الدولار الأمريكي ارتفاعاً طفيفاً أمام سلة من العملات الرئيسية قبيل اختتام اجتماع السياسة النقدية للفيدرالي الذي استمر يومين. وتسود حالة من الترقب لمعرفة ما إذا كان البنك المركزي سيتبنى لهجة أكثر تشدداً (Hawkish) تحت إدارة رئيسه الجديد.
تشير التوقعات السائدة في الأسواق إلى الإبقاء على أسعار الفائدة القياسية دون تغيير في النطاق الحالي المتراوح بين 3.50% و 3.75%. ومع ذلك، يتركز الاهتمام على التغييرات المحتملة في لغة البيان الرسمي وإمكانية التخلي عن التوجهات السابقة التي كانت تميل نحو تيسير السياسة النقدية.
تحول محتمل في السياسة النقدية تحت قيادة وارش
يمثل هذا الاجتماع نقطة تحول جوهرية نظراً لاختلاف فلسفة القيادة بين جيروم باول وخلفه كيفين وارش:
مؤشرات التضخم المفضلة: يُعرف وارش بتفضيله لمؤشرات تضخم بديلة مثل مؤشر تضخم القيمة المتوسطة المقتطعة الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس (Trimmed Mean PCE)، والذي يشير حالياً إلى ضغوط سعرية أخف وطأة مقارنة بنفقات الاستهلاك الشخصي الأساسية التقليدية. وإذا ركز وارش على هذا المؤشر، فقد يمهد الطريق لتهيئة الأسواق لخفض الفائدة مستقبلاً.
وتيرة المؤتمرات الصحفية: تترقب الأسواق أيضاً مدى التزام الرئيس الجديد بتقليد المؤتمرات الصحفية الدورية عقب كل اجتماع، وهو العرف الذي أرساه باول وسعى وارش سابقاً للتحفظ عليه لتقليل التفاعل المباشر المستمر والمربك أحياناً بين الفيدرالي والأسواق المالية.
ختاماً، يتضح أن الأسواق العالمية تقف عند مفترق طرق حرج؛ حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية في الشرق الأوسط مع إعادة رسم معالم السياسة النقدية الأمريكية، مما يفرض على المستثمرين توخي الحذر الشديد في موازنة محافظهم الاستثمارية بين الأصول الآمنة كالذهب وأصول الطاقة والعملات الرئيسية.
