أداء الأسواق العالمية: الذهب والنفط والبيتكوين يتراجعون قبيل الإغلاق الأسبوعي وسط ترقب الفيدرالي وتطورات جيوسياسية
شهد أداء الأسواق العالمية تراجعات جماعية شملت الملاذات الآمنة والسلع الأساسية والأصول عالية المخاطر خلال تداولات يوم الجمعة قبيل الإغلاق الأسبوعي. وتأتي هذه التحركات مدفوعة بمزيج من قوة الدولار الأمريكي، والإشارات المتشددة الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، إلى جانب انفراجة جيوسياسية في الشرق الأوسط ترافقت مع تعثر مفاجئ في مسارات دبلوماسية أخرى، وسط سيولة ضعيفة تزامنت مع عطلة "جونتينث" في الولايات المتحدة.
أسعار الذهب تتجه لتسجيل ثالث خسارة أسبوعية متتالية
تراجعت أسعار الذهب اليوم الجمعة، مما يضع المعدن الأصفر على مسار تسجيل ثالث خسارة أسبوعية على التوالي، تحت ضغط صعود الدولار والتوجهات المتشددة لبعض مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وبحلول الساعة 13:06 بتوقيت جرينتش، انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.9% ليصل إلى 4,169.44 دولاراً للأوقية، بعد أن لامس في وقت سابق أدنى مستوياته منذ 11 يونيو عند 4,119.78 دولاراً. ويواصل المعدن الثمين التداول دون المتوسط المتحرك لـ 200 يوم منذ الخامس من يونيو الجاري. كما هبطت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة بنسبة 1.4% لتصل إلى 4,186.50 دولاراً.
وفي سياق تحليل هذا الهبوط، يشير خبراء أسواق المال إلى أن الذهب يواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق بشكل أعمق نحو منطقة "السوق الهابطة" (Bear Market) واختبار مستويات أدنى من حاجز 4,000 دولار للأوقية، في ظل بيئة تداول تفتقر إلى المحفزات الإيجابية للمعدن الذي لا يدر عائداً. وتعد التوقعات ببقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول بمثابة عامل سلبي للغاية للأصول غير المدرة للعوائد، بينما تصب في مصلحة العملة الخضراء.
أسعار النفط العالمية تهبط بأكثر من 9% بفعل هدنة لبنان وتوقعات الإمدادات
لم يكن النفط بمنأى عن موجة الهبوط التي ضربت أداء الأسواق العالمية؛ إذ تراجعت أسعار خام برنت والخام الأمريكي بشكل حاد يوم الجمعة بعد إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، مما خفف المخاوف بشأن تعطل إمدادات النفط من منطقة الشرق الأوسط وأحيا الآمال في خفض أوسع للتصعيد يشمل الولايات المتحدة وإيران.
خام برنت: تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 85 سنتاً، أو ما يعادل 1.1%، لتتداول عند 79 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 13:03 بتوقيت جرينتش، متجهة نحو تسجيل خسارة أسبوعية فادحة تقارب 9.5%.
الخام الأمريكي (WTI): انخفضت عقود شهر يوليو القادم (والتي تنتهي صلاحيتها يوم الاثنين) بمقدار 64 سنتاً، أو بنسبة 0.8%، لتصل إلى 75.96 دولاراً للبرميل، لتسجل تراجعاً أسبوعياً يقارب 10%. كما هبطت عقود شهر أغسطس الأكثر نشاطاً بمقدار 61 سنتاً لتستقر عند 75.24 دولاراً للبرميل.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تمام الساعة الرابعة عصراً بالتوقيت المحلي (13:00 بتوقيت جرينتش) يوم الجمعة. ورغم هذا الهبوط الحاد، يرى محللون أن الجانب الهبوطي لأسعار النفط قد يكون محدوداً عند هذه المستويات؛ نظراً لأن المخزونات الاستراتيجية العالمية مستنزفة بشكل كبير وتتطلب إعادة بناء مستمرة بإمدادات جديدة من النفط الخام.
وفي مقابل هذه الانفراجة، تبرز عقبات دبلوماسية أخرى؛ إذ أعلنت سويسرا أن المحادثات الأمريكية الإيرانية للتوصل إلى اتفاق تهدئة شامل في المنطقة لن تُعقد كما كان مقرراً يوم الجمعة، بعد إلغاء نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس لخطط سفره، مما يفرض مساراً محفوفاً بالصعاب لضمان تدفق النفط بشكل كامل ودون انقطاع عبر مضيق هرمز.
مؤشر الدولار والاحتياطي الفيدرالي: ترقب لبيانات التضخم
على صعيد السياسة النقدية، أظهرت التوقعات الأخيرة الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء الماضي انقساماً واضحاً؛ حيث يرى 9 من أصل 19 مسؤولاً في البنك المركزي الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل قبل نهاية العام الجاري، وذلك بعد أن قرر المجلس الإبقاء على معدلات الفائدة الحالية دون تغيير في نطاق 3.50% - 3.75%. وتُشير أداة "CME FedWatch" إلى أن المتداولين يسعرون حالياً احتمالية بنسبة 70% لقيام الفيدرالي برفع الفائدة بحلول شهر سبتمبر المقبل.
وفي المقابل، يشكك محللون في قدرة الفيدرالي على المضي قدماً في تشديد السياسة النقدية. ويرى مصرف "إم يو إف جي" (MUFG) أن مكاسب الدولار الحالية قد تكون محدودة؛ ففي حال صمود اتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الضغوط الانكماشية الناجمة عن انخفاض أسعار الطاقة ستكون ملموسة بحلول نهاية العام وتمتد حتى عام 2027. وبما أن التضخم في الولايات المتحدة يقترب من ذروته، فإن خيار رفع الفائدة يظل مستبعداً من الناحية العملية.
وقد تراجع مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) بنسبة طفيفة بلغت 0.1% ليصل إلى مستوى 100.754 نقطة، بعد أن سجل في وقت سابق أعلى مستوى له في عام كامل عند 101.127 نقطة.
سوق العملات المشفرة: سعر البيتكوين يكسر مستويات الدعم بضغط من ضعف السيولة
تأثر سوق العملات الرقمية سلباً بالانتكاسة الجيوسياسية المتمثلة في تأجيل المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران في منتجع "بورغنستوك" بسويسرا، مما انعكس فوراً على شهية المخاطرة الهشة أصلاً في سوق الكريبتو.
وتزامن هذا التراجع مع ضعف شديد في مستويات السيولة بالأسواق الأمريكية بسبب عطلة "جونتينث"، مما ضخم من حدة الحركات الهبوطية نتيجة تصفية المراكز المالية الرافعة (Leveraged Positions). وأظهرت بيانات منصة "كواين غلاس" (CoinGlass) موجة تصفية واسعة النطاق لعقود المشتقات الطويلة (Long Positions)، مما يشير إلى أن غالبية المتداولين كانوا يتوقعون استمرار موجة الارتداد الصعودي بدلاً من التعرض لتراجع مفاجئ مدفوع بعوامل الاقتصاد الكلي.
وانخفض سعر البيتكوين ليتداول دون مستوى الدعم القريب عند 63,000 دولار، حيث سجل نحو 62,983 دولاراً بنسبة تراجع طفيفة بلغت 0.13% خلال اليوم، مما يضع قوة الارتداد الأخير تحت اختبار حقيقي ويجبر المتداولين على إعادة تقييم استراتيجياتهم للمرحلة المقبلة.
ختاما يتأرجح أداء الأسواق العالمية حالياً بين ضغوط السياسة النقدية المتشددة للاحتياطي الفيدرالي وبين آمال التهدئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وستبقى الأسواق في حالة ترقب شديد للتطورات القادمة، وتحديداً قراءة بيانات التضخم الأمريكية الأسبوع المقبل، والمسار الذي ستتخذه المفاوضات الأمريكية الإيرانية، والتي ستحدد مجتمعة الاتجاه القادم للذهب، والنفط، والعملات المشفرة مع الدخول في الربع الثالث من العام.
