تقرير أسواق المال العالمية: انفراجة المفاوضات الأمريكية الإيرانية تعيد رسم خريطة الذهب والنفط
شهدت أسواق المال العالمية مع بداية تعاملات الأسبوع حالة من إعادة تموضع الأصول الاستثمارية، حيث تقاطعت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط مع التوقعات المتشددة للسياسة النقدية الأمريكية لتحدد اتجاهات التجارة. وجاءت الانفراجة الدبلوماسية المفاجئة بين الولايات المتحدة وإيران لتلقي بظلالها على أسواق الطاقة والمعادن الثمينة، مما أدى إلى تراجع أسعار النفط وتعافي نسبي للذهب من أدنى مستوياته في أكثر من أسبوع.
أسعار الذهب تلتقط الأنفاس وسط تباين المؤثرات
ارتفعت أسعار الذهب الفورية في تعاملات يوم الإثنين متجاوزة الضغوط السلبية التي تعرضت لها مؤخراً. وسجل الذهب الفوري صعوداً بنسبة لافتة بلغت 0.7% ليصل إلى 4,189.69 دولاراً للأوقية (الأونصة)، وذلك بعد تراجعه يوم الجمعة الماضي إلى أدنى مستوى له منذ 11 يونيو. في المقابل، تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم أغسطس بنسبة 0.9% لتستقر عند 4,207.70 دولاراً.
وجاء هذا التعافي مدفوعاً بشكل رئيسي بانخفاض أسعار النفط الذي قلل مؤقتاً من مخاوف التضخم المتصاعد. ومع ذلك، فإن النظرة المستقبلية للمعدن الأصفر لا تزال تحت وطأة إشارات التشديد النقدي الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي).
أدى تركيز رئيس الفيدرالي "كيفن وارش" الصارم على احتواء التضخم دون توضيح الشروط الدقيقة لخفض الفائدة إلى ترسيخ قناعة المستثمرين بقرب إقرار زيادة جديدة في أسعار الفائدة. ووفقاً لأداة "CME FedWatch"، يرى المتعاملون الآن احتمالاً بنسبة 89% لرفع أسعار الفائدة في شهر ديسمبر المقبل، مقارنة بنحو 61% قبل اجتماع الفيدرالي الأخير، حيث يعتقد 9 من أصل 19 عضواً في لجنة السياسة النقدية بضرورة رفع الفائدة هذا العام. ومن المعروف علمياً أن الذهب يفقد جاذبيته كأداة تحوط في بيئات الفائدة المرتفعة كونه أصلاً لا يدر عائداً دورياً.
النفط يتراجع مع تقدم محادثات سويسرا وتدفق الإمدادات الإيرانية
على صعيد أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط العالمية عقب الإعلان عن إحراز تقدم ملموس في المحادثات الأمريكية الإيرانية المنعقدة في سويسرا، مما ساهم في تبديد المخاوف بشأن نقص المعروض في الأسواق العالمية.
وانخفض خام برنت القياسي بمقدار 61 سنتاً ليصل إلى 79.96 دولاراً للبرميل، بعد أن قفز في بداية التعاملات إلى مستوى 82.30 دولاراً نتيجة تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستئناف الحرب ضد إيران وإعلان طهران المؤقت عن إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي. بدوره، سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 77.20 دولاراً للبرميل بارتفاع قدره 60 سنتاً قبيل انتهاء صلاحية العقد الحالي، في حين ارتفع عقد أغسطس الأكثر نشاطاً بمقدار 19 سنتاً ليصل إلى 76.04 دولاراً للبرميل.
وأكد وسطاء من دولتي قطر وباكستان أن الطرفين (الولايات المتحدة وإيران) اتفقا على خارطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي لإنهاء الصراع في غضون 60 يوماً. وأعلن وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" أن بلاده حصلت على إعفاءات لتصدير النفط والبتروكيماويات، بالإضافة إلى الإفراج عن بعض الأصول المجمدة وبدء خطة لإعادة الإعمار والتنمية.
تحديات تعافي المعروض العالمي
تشير البيانات الصادرة عن شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى أن أكثر من 25 مليون برميل من النفط الإيراني قد عبرت خط الحصار البحري بالفعل. ورغم هذه الإمدادات الإضافية وتعهدات دول مثل الإمارات والكويت والعراق بتقديم المزيد من النفط للعملاء، فإن المحللين يرون أن استعادة الإمدادات بالكامل لا تزال محاطة بالتحديات.
يتوقع بنك "ANZ" استعادة ما بين 2 مليون إلى 3 ملايين برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة الأولى، مع إمكانية استعادة ما بين 2 مليون إلى 3.5 ملايين برميل يومياً إضافية في الربع الثالث من عام 2026 شريطة استقرار الأوضاع الأمنية. ويرى البنك أن الانتعاش الأولي سيكون مدفوعاً باللوجستيات وحركة الشحن بدلاً من الإنتاج الفعلي، مما يجعل الاستعادة الكاملة للطاقة الإنتاجية مستبعدة خلال هذا العام، لا سيما مع استمرار التوترات الميدانية التي تجسدت في مقتل 20 شخصاً جراء ضربات إسرائيلية في لبنان بعد يوم واحد من سريان وقف إطلاق النار مع حزب الله.
سوق العملات: استقرار الدولار وضغوط سياسية تضرب الإسترليني
في أسواق الصرف الأجنبي، حافظ الدولار الأمريكي على استقراره مدعوماً بالتفاؤل حول قرب التوصل لاتفاق دبلوماسي شامل بين واشنطن وطهران. وفي المقابل، اقترب الين الياباني من أدنى مستوياته في 40 عاماً، مما أبقى المتداولين في حالة تأهب قصوى لتدخل محتمل من المصرف المركزي في طوكيو لدعم العملة المحلية.
أما الجنيه الإسترليني، فقد سجل هبوطاً بنسبة 0.3% ليتراجع إلى 1.32 دولاراً. وجاء هذا الانخفاض على خلفية الاضطرابات السياسية في المملكة المتحدة، حيث يدرس رئيس الوزراء البريطاني "كير ستارمر" مستقبله السياسي في أعقاب الهزيمة البرلمانية القاسية التي مني بها حزبه أمام منافسه "أندي بورنهام" في الانتخابات الفرعية الأخيرة. وتشير توقعات المحللين إلى أن أي إدارة جديدة بقيادة "بورنهام" قد تلتزم بالإطار المالي الحالي، إلا أن العبرة ستكون بالقدرة على التنفيذ الفعلي للسياسات المقترحة.
العملات المشفرة: تباين حاد وتدفقات مؤسساتية نحو العملات البديلة
شهدت أسواق الأصول الرقمية تبايناً واضحاً في سلوك المستثمرين المؤسساتيين خلال الأسبوع الماضي؛ حيث استمر خروج الأموال من الصناديق الكبرى لصالح تجميع أصول بديلة محددة.
وبحسب بيانات منصة "SoSoValue"، سجلت صناديق المؤشرات المتداولة الفورية للبيتكوين في الولايات المتحدة (Spot Bitcoin ETFs) صافي تدفقات خارجة بلغت 226.84 مليون دولار الأسبوع الماضي، لتواصل بذلك سلسلة انسحاب الأموال للأسبوع السادس على التوالي وتتراجع الأصول الإجمالية المدارة إلى 78.32 مليار دولار. ورغم هذه التدفقات الخارجة، استقر سعر البيتكوين (BTC) عند مستويات 64,191 دولاراً بارتفاع طفيف تجاوز 1% خلال الـ 24 ساعة الماضية وسط معنويات حيادية من متداولي التجزئة.
ولم تسلم صناديق الإيثيريوم الفورية (ETH ETFs) من موجة البيع، حيث سجلت صافي تدفقات خارجة بقيمة 10.05 مليون دولار، لتبلغ الأصول المدارة للصناديق حوالي 9.30 مليار دولار.
وفي المقابل، ظهر توجه واضح للمؤسسات نحو تنويع محافظها الاستثمارية؛ إذ استقطبت صناديق العملات البديلة تدفقات إيجابية جديدة، حيث حققت صناديق "سولانا" الفورية (Solana ETFs) صافي تدفقات داخلة بلغت 7.11 مليون دولار، بينما أضافت صناديق ريبل الفورية (XRP ETFs) نحو 10.66 مليون دولار، مما يشير إلى دوران رأس المال المؤسساتي داخل سوق العملات المشفرة بدلاً من الخروج النهائي منه.
