أسعار الذهب والنفط اليوم: الدولار القوي وتوقعات الفائدة يعيدان رسم خريطة الأسواق العالمية
تشهد الأسواق المالية العالمية اليوم الثلاثاء تحركات دراماتيكية متسارعة، حيث فرض صعود الدولار الأمريكي وتزايد التوقعات برفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي) ضغوطاً هبوطية قوية على السلع الأساسية. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع انفراجة دبلوماسية أولية في ملف العقوبات الإيرانية أسهمت في تهدئة مخاوف الإمدادات النفطية، على الرغم من بقاء التوترات الجيوسياسية قائمة في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
وفيما يلي تحليل مفصل لأداء الأسواق وأسعار السلع والعملات قبل ساعات قليلة من إغلاق التداولات اليومية.
تراجع أسعار الذهب اليوم بفعل قفزة الدولار وتصريحات الفيدرالي
سجلت أسعار الذهب والنفط اليوم تراجعات ملموسة، حيث تصدرت الخسائر أسواق المعادن النفيسة. وانخفض السعر الفوري للذهب (Spot Gold) بنسبة 1.7% ليصل إلى 4,118.73 دولاراً للأونصة بحلول الساعة 09:26 صباحاً بتوقيت نيويورك (13:26 بتوقيت جرينتش).
كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب لتسليم أغسطس بنسبة 1.6% لتسجل 4,135.60 دولاراً للأونصة. ويأتي هذا الهبوط مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع الدولار الأمريكي لأعلى مستوياته في أكثر من عام، مما يزيد من تكلفة حيازة المعدن الأصفر على المستثمرين خارج الولايات المتحدة.
وقد أدت الإشارات التشديدية الصارمة الرامية لمكافحة التضخم والمستمرة من قبل رئيس الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، إلى تحفيز المستثمرين لزيادة رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة. وتظهر أداة "فيد ووتش" (FedWatch Tool) الصادرة عن مجموعة CME أن المتداولين يرون الآن احتمالية تصل إلى 86% لقيام الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بحلول ديسمبر المقبل، مقارنة بـ 61% قبل اجتماع الأسبوع الماضي.
ومع أن الذهب يُعد تاريخياً أداة للتحوط ضد التضخم، إلا أن بيئة أسعار الفائدة المرتفعة تزيد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازته لكونه أصلاً لا يدر عوائد دورية.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، منحت الولايات المتحدة إيران إعفاءً من العقوبات لمدة 60 يوماً اعتباراً من يوم الاثنين، وذلك عقب جولة مبدئية من محادثات السلام، على الرغم من استمرار العمليات القتالية في لبنان وفق ما أفاد به مسؤولون. وصرح نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، بأن المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين في سويسرا وضعت أساساً جيداً لاتفاق سلام نهائي، وهو ما انعكس على انتعاش حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الذي كان مغلقاً سابقاً.
أسعار النفط تواصل الهبوط وسط تقدم المحادثات الأمريكية الإيرانية
بالتوازي مع تراجع الذهب، سجلت أسعار النفط تراجعاً تجاوز الدولار الواحد للبرميل اليوم الثلاثاء، في ظل مراقبة المستثمرين لتدفقات الخام عبر مضيق هرمز الاستراتيجي وسط مؤشرات على تقدم المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران.
وهبطت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.18 دولار، أو ما يعادل 1.2%، لتصل إلى 76.72 دولاراً للبرميل. كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بمقدار 1.18 دولار أيضاً، أو بنسبة 1.6%، ليسجل 72.68 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 10:06 صباحاً بتوقيت نيويورك (14:06 بتوقيت جرينتش)، بعد أن لامس في وقت سابق أدنى مستوى له في أربعة أشهر عند 72.48 دولاراً للبرميل.
وكانت الأسعار قد سجلت هبوطاً حاداً بأكثر من 3% يوم أمس الاثنين عقب قرار الإعفاء الأمريكي المؤقت من العقوبات وهدوء العمليات العسكرية في لبنان.
وفي سياق متصل، اتفقت سلطنة عمان وإيران اليوم على مواصلة المحادثات بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة والخدمات البحرية في مضيق هرمز والتكاليف المرتبطة بها. وأفاد مصدر عسكري إيراني لوكالة أنباء "فارس" بأنه يُسمح حالياً لعدد محدود من السفن بالمرور يومياً بالتنسيق مع القوات البحرية للحرس الثوري. وأظهرت بيانات تتبع السفن عبور ناقلتين عملاقتين كانتا محتجزتين، إلى جانب دخول سبع ناقلات قطرية فارغة للغاز الطبيعي المسال خلال الأسابيع الأخيرة، في إشارة أولية على قرب استئناف شحنات الغاز الخليجي بالكامل.
وأشار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى أن 19 مليون برميل من النفط تدفقت عبر المضيق يوم الاثنين، لافتاً إلى أن ذلك أسهم في خفض الأسعار عالمياً.
لكن من منظور تحليلي، أن تخفيف العقوبات لن يضغط بشكل كبير على الأسعار في الأجل القصير نظراً لأن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية لا تزال هشة وحديثة العهد. ويجدر بالذكر أن الأسواق العالمية فقدت ملايين البراميل من إمدادات النفط والغاز منذ إغلاق المضيق الذي يمر عبره نحو خمس معروض النفط والغاز الطبيعي المسال العالمي لأكثر من ثلاثة أشهر.
أيضا سيطلب مالكو ومستغلو السفن ضمانات كاملة بالقضاء التام على تهديدات الألغام البحرية. كما أن الموانئ المتضررة، والحطام في المياه، وحالة الازدحام تشكل عقبات إضافية أمام الاستئناف غير المشروط لحركة المرور البحرية.
الدولار الأمريكي يحلق عالياً ويسحق العملات الرئيسية
في سوق الصرف الأجنبي، قفز الدولار الأمريكي لأعلى مستوياته في أكثر من عام تزامناً مع تموضع المتداولين لسياسة نقدية أكثر تشدداً من الاحتياطي الفيدرالي، مستفيداً من تراجع أسعار النفط والتهدئة النسبية للتوترات في الخليج.
وتسعر عقود الفيدرالي الآجلة حالياً احتمالية تفوق 85% لرفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول سبتمبر المقبل. وعلاوة على ذلك، عدلت مؤسسات مالية كبرى مثل "بنك أوف أمريكا" و"دويتشه بنك" توقعاتها السابقة التي كانت تشير إلى تثبيت الفائدة، لتتوقع الآن قيام الفيدرالي برفع أسعار الفائدة مرتين هذا العام مستندة في ذلك إلى مرونة الاقتصاد الأمريكي وقوته.
ويسعر الدولار حالياً مستويات الفائدة المرتفعة ويستمد قوته منها. كما أنه يتلقى دعماً إضافياً من عدم التوصل إلى حل كامل ونهائي لملفات الشرق الأوسط، إذ لا يزال هناك قدر كبير من عدم اليقين الذي يصب في مصلحة العملة الأمريكية كأصل ملاذ آمن.
وارتفع مؤشر الدولار (DXY)، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، ليسجل 101.25، وهو المستوى الأعلى له منذ مايو 2025.
وفي المقابل، تراجع اليورو إلى 1.1395 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ أغسطس 2025، بعد أن قللت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، من مخاوف الجولة الثانية للتضخم، ملمحة إلى نهج متوازن بعد رفع الفائدة الأخير هذا الشهر.
كما هبط الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2% ليسجل 1.3223 دولار، متأثراً بحالة عدم اليقين السياسي عقب استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر. ورغم ذلك، ساهم إعلان وزير الصحة ويس ستريتنغ عن دعمه لآندي بورنهام لخلافة ستارمر في تمهيد الطريق لانتقال منظم للسلطة، مما حد من خسائر الإسترليني.
وعلى نحو آخر، انزلق الدولار الأسترالي الحساس للمخاطر بنسبة 0.7% ليسجل 0.6951 دولار، وهو المستوى الأضعف له منذ مطلع أبريل، بينما تراجع الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.4% ليتداول عند 0.5689 دولار.
أسواق العملات الرقمية تحت الضغط: البيتكوين يختبر مستويات دعم حرجة
لم تكن سوق العملات المشفرة بمعزل عن هذه الموجة البيعية؛ إذ تسبب الشطب المفاجئ لمليارات الدولارات من تقييم شركة "سبيس إكس" (SpaceX) -والذي قدر بنحو 600 مليار دولار- في زعزعة ثقة أسواق التكنولوجيا، واضعاً مستوى دعم البيتكوين الحيوي عند 60,000 دولار تحت وطأة ضغوط بيعية شديدة.
وتراجعت العملات الرقمية الرئيسية بعد فترة وجيزة من الاستقرار المؤقت يوم أمس، مدفوعة ببطء الإقبال على الأصول عالية المخاطر بفعل مخاوف الفائدة الأمريكية. وتشير أداة "فيد ووتش" إلى وجود احتمالية بنسبة 34% لرفع الفائدة بمقدار ربع نقطة في الاجتماع القادم للفيدرالي، مع مطالبات من متداولي السندات برفعات إضافية لاحقاً.
ولكن الأداء الضعيف للبيتكوين مقارنة بأسهم التكنولوجيا في الآونة الأخيرة يمنح المستثمرين فرصة استثمارية جذابة لبناء مراكز بأسعار مخفضة قبل جولة الصعود القادمة.
