تقرير منتصف اليوم: الدولار القوي يضغط على الذهب والنفط مع تزايد احتمالات رفع الفائدة الأمريكية
شهدت أسواق المال العالمية يوم الأربعاء تحركات دراماتيكية واسعة النطاق قبل ساعات من الإغلاق؛ حيث تضافرت قوة الدولار الأمريكي مع النبرة التشددية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي) لتفرض ضغوطاً هائلة على السلع الأساسية. وفي مقدمة المتأثرين، كسر الذهب حاجزاً نفسياً رئيسياً هابطاً، في حين تراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر مع بوادر انفراجة في سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تحليق العملة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عام.
الذهب يكسر حاجز 4000 دولار النفسي تحت وطأة "الفيدرالي"
انزلقت أسعار الذهب الفورية اليوم الأربعاء إلى ما دون المستوى النفسي الرئيسي البالغ 4000 دولار للأونصة، وذلك للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025. وجاء هذا التراجع مدفوعاً بالارتفاع القوي في قيمة الدولار الأمريكي وتزايد التوقعات ببقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وقد أدت قوة العملة الأمريكية إلى زيادة تكلفة المعدن النفيس المقوم بالدولار بالنسبة لحاملي العملات الأخرى، مما قلل من جاذبيته الاستثمارية.
رهانات متزايدة على رفع الفائدة الأمريكية
صعّد المتداولون من رهاناتهم على إمكانية قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة هذا العام، لاسيما بعد النبرة التشددية (Hawkish) التي تبناها البنك في اجتماعه الأخير للسياسة النقدية، تزامناً مع استمرار المخاوف من الضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب الإيرانية.
وفي هذا السياق، صرح تاي وونغ، وهو تاجر معادن مستقل، قائلاً:
"تسعير السوق لرفع الفائدة في وقت مبكر قد يكون بحلول سبتمبر المقبل بفعل تشدد الفيدرالي، بالإضافة إلى صعود الدولار لأعلى مستوياته في 13 شهراً بالتزامن مع انخفاض توقعات التضخم؛ كل هذه العوامل تفرض ضغوطاً شديدة على المعادن الثمينة."
وأضاف وونغ: "بالنسبة للذهب، هناك مستويات دعم واضحة تقع تحت 3900 دولار مباشرة، كما أن مشتريات البنوك المركزية مستمرة، مما يجعل حدوث انهيار شامل أمراً مستبعداً. ومع ذلك، يجب توقع فترة تماسك واستقرار أفقي طويلة الأجل كون الاستثمار في الذهب بات خارج دائرة التفضيل حالياً."
يُشار إلى أن الذهب يفقد جاذبيته كأداة استثمارية عندما ترتفع أسعار الفائدة لكونه أصلاً لا يدر عائداً ثابتاً. وكان الذهب الفوري قد سجل ذروة قياسية غير مسبوقة عند 5594.82 دولار للأونصة في أواخر يناير الماضي، لكنه فقد منذ ذلك الحين أكثر من 1500 دولار من قيمته.
بنك "ING" يخفض توقعاته لأسعار الذهب
تفاعلاً مع هذه المعطيات، خفض محللو بنك "ING" توقعاتهم لأسعار الذهب؛ حيث يتوقعون الآن أن يبلغ متوسط السعر 4300 دولار للأونصة في الربع الثالث من عام 2026، و4600 دولار في الربع الرابع، مقارنة بتوقعاتهم السابقة التي كانت عند 4850 دولار و5000 دولار على التوالي.
أسعار النفط تتراجع لأدنى مستوياتها منذ ما قبل الحرب الإيرانية
في سوق الطاقة، تراجعت أسعار خام برنت بأكثر من 3 دولارات للبرميل لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل اندلاع الحرب الإيرانية، وذلك مع ظهور مؤشرات على استعداد المزيد من ناقلات النفط للتحرك خارج مضيق هرمز.
وبحلول الساعة 13:27 بتوقيت جرينتش، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 3.32 دولار، أو ما يعادل 4.3%، لتصل إلى 73.76 دولار للبرميل. كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 3.02 دولار، أو 4.13%، ليسجل 70.19 دولار للبرميل.
وكان خام برنت قد لامس في وقت سابق من الجلسة أدنى مستوى له عند 73.60 دولار، وهو الأضعف منذ 27 فبراير (اليوم الذي سبق الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران)، في حين هبط خام غرب تكساس الوسيط إلى 70.91 دولار، وهو الأدنى منذ 3 مارس.
عودة الإمدادات الإيرانية وتخفيف قيود الشحن
بينما توجد إشارات مشجعة مبكرة على زيادة حركة ناقلات النفط، فإن السوق يسعر سيناريو أوسع يتمثل في إعادة دخول النفط الإيراني إلى السوق العالمية وعودة حركة الشحن في مضيق هرمز إلى طبيعتها.
إذا تم تخفيف العقوبات، فإن الإنتاج والصادرات الإيرانية قد ترتفع بسرعة نسيباً بالنظر إلى الكميات الكبيرة المخزنة بالفعل في الناقلات، ونحن نتحدث هنا على الأرجح عن أسابيع وليس أشهراً.
وتعزيزاً لمؤشرات ضعف السوق، تُباع شحنات النفط الخام المادي بخصومات (تخفيضات) في مختلف أنحاء العالم، مما يغير تدفقات التجارة التقليدية تحت وطأة المعروض المتنامي بسرعة من الشرق الأوسط، خاصة مع استعداد إيران لزيادة مبيعاتها عقب حصولها على إعفاء مؤقت من العقوبات الأمريكية لمدة 60 يوماً بعد محادثات السلام الأولية، فضلاً عن تراجع حدة العمليات القتالية في لبنان.
وفي خطوة لتسهيل حركة التجارة، أعلنت سلطنة عمان أنها ستبقي مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة دون فرض أي رسوم مرور، كما حددت مسارين مؤقتين شمال وجنوب الممر الملاحي الحالي لتسهيل العبور الآمن للسفن المغادرة للمنطقة. وفي سياق متصل، أكد متحدث باسم وكالة الشحن التابعة للأمم المتحدة أن السفن بدأت بالفعل في الإبحار عبر المضيق بموجب خطة إخلاء تم إطلاقها حديثاً.
الدولار الأمريكي يحلق عند أعلى مستوى في 13 شهراً
واصل الدولار الأمريكي مكاسبه ليبلغ أعلى مستوى له في 13 شهراً مقابل سلة من العملات الرئيسية اليوم الأربعاء، مدعوماً باستعداد المستثمرين لرفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسعيهم للتحوط من موجة بيع واسعة في قطاع التكنولوجيا وأسهم أشباه الموصلات.
كما عزز الخلاف الظاهر بين الولايات المتحدة وإيران بشأن بعض الجوانب الرئيسية للاتفاق الإطاري من الطلب على الدولار كأداة للتحوط والملاذ الآمن.
وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل ست عملات رئيسية، إلى مستوى 101.71، وهو الأقوى له منذ مايو 2025، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 0.3% خلال اليوم.
العملة الخضراء تظل "الملاذ المفضل"
الدولار الأمريكي لا يزال هو الملاذ الآمن المفضل. ومن الواضح أن الزخم يصب في مصلحته بالوقت الراهن، لكنني أعتقد أن الكثير من التوقعات قد تم تسعيرها بالفعل في السوق.
وتشير بيانات أداة "CME FedWatch" إلى أن الأسواق تسعر الآن احتمالاً يبلغ نحو 35% لرفع أسعار الفائدة في اجتماع الفيدرالي لشهر يوليو المقبل (مقارنة بـ 9% فقط قبل أسبوع)، في حين قفزت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر إلى أكثر من 70% مقارنة بنحو 29% في الأسبوع الماضي.
تراجع جماعي للعملات الرئيسية مقابل الدولار
أدى الصعود الصاروخي للدولار إلى تكبد العملات الرئيسية الأخرى خسائر واضحة:
اليورو: انخفض بنسبة 0.35% ليصل إلى أدنى مستوى له في أكثر من عام عند 1.134 دولار. وعزا لي هاردمن، كبير محللي العملات في مجموعة "MUFG"، هذا الهبوط إلى التباين الأخير في توقعات الأسواق لسياسات البنك المركزي الأوروبي ومجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ فبينما تسعر أسواق الفائدة الأمريكية زيادات متعددة، أصبحت أسواق الفائدة في منطقة اليورو أقل ثقة بشأن الحاجة لمزيد من رفع الفائدة من قبل المركزي الأوروبي.
الجنيه الإسترليني: هبط بنسبة 0.35% ليسجل أدنى مستوى له في 7 أشهر عند 1.3149 دولار.
الدولار الأسترالي: الحساس للمخاطر تراجع بنسبة 0.35% إلى 0.6885 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل أبريل، متأثراً ببيانات تضخم متباينة عقّدت الرهانات على رفع الفائدة محلياً.
الين الياباني يقاوم لكسر سلسلة الهبوط
استقر الين الياباني في أحدث التعاملات عند مستوى 161.66 ين للدولار، مكافحاً لاستعادة توازنه أمام العملة الأمريكية القوية. ويُذكر أن أي تراجع إضافي يتجاوز مستوى 161.96 ين سيهبط بالعملة اليابانية إلى أضعف مستوياتها منذ عام 1986.
ولم تفلح التحذيرات الشفهية الأخيرة الصادرة عن المسؤولين اليابانيين هذا الأسبوع في تخفيف الضغوط البيعية على الين، في وقت تضع فيه الحكومة خططاً لإدارة أفضل لاحتياطياتها الأجنبية البالغة 1.3 تريليون دولار بهدف التدخل لحماية العملة.
وفي هذا الصدد، حذرت سايوري شيراي، العضو السابق في لجنة السياسة النقدية ببنك اليابان، من أن الين قد يواصل التراجع ليصل إلى مستوى 165 ين للدولار في حال أقدم الفيدرالي الأمريكي على رفع أسعار الفائدة مجدداً هذا العام. يأتي ذلك في وقت أظهر فيه ملخص الآراء لاجتماع بنك اليابان لشهر يونيو دعوة بعض أعضاء مجلس الإدارة إلى زيادات إضافية في أسعار الفائدة للوصول بها إلى مستويات محايدة للاقتصاد.
