تقرير الأسواق: الدولار يهيمن مع ترقب بيانات التضخم الأمريكية، والذهب والنفط يتراجعان وسط هدوء التوترات الجيوسياسية
شهدت الأسواق المالية العالمية يوم الخميس تحركات حذرة سادها ترقب شديد من قبل المستثمرين لبيانات التضخم الأمريكية المحورية، والتي قد ترسم الملامح القادمة للسياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي). وفي ظل هذه الحالة من عدم اليقين، واصل الدولار الأمريكي فرض هيمنته الواسعة على حساب العملات الرئيسية والمعادن الثمينة، بينما تلقت أسواق الطاقة ضربة قوية جراء مؤشرات على عودة الإمدادات النفطية وتراجع التوترات في الشرق الأوسط.
الدولار الأمريكي يقود المشهد ويهدد العملات الرئيسية
يتجه الدولار الأمريكي لتسجيل أكبر مكاسب شهرية له في غضون عام تقريباً، مدعوماً بالاعتقاد المتزايد بين المستثمرين بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل هذا العام للسيطرة على معدلات التضخم المستعصية.
أداء مؤشر الدولار والعملات الرئيسية
اليورو مقابل الدولار: لامس اليورو أدنى مستوياته في 13 شهراً يوم الأربعاء، ليجري تداوله دون مستوى 1.14.
الين الياباني: استقر الين بالقرب من أدنى مستوياته منذ 40 عاماً عند مستوى 161.79 للدولار، مما يزيد من احتمالات تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة الوطنية في حال تجاوزت مستويات 162.
الجنيه الإسترليني: تراجع الإسترليني إلى أدنى مستوياته في سبعة أشهر ليسجل 1.314 قبل أن يتعافى نسبياً بنسبة %0.17 ليصل إلى 1.319.
مؤشر الدولار: استقر المؤشر - الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات رئيسية - عند مستويات 101.5 بعد أن سجل ذروة 13 شهراً عند 101.8 في الجلسة السابقة.
وفي هذا الصدد، تشير أسواق الفائدة بوضوح إلى تسعير توقعات رفع الفائدة؛ حيث ارتفعت عوائد السندات الحكومية الأمريكية لأجل عامين بنحو 14 نقطة أساس هذا الشهر لتصل إلى %4.15، مقارنة بارتفاع طفيف بـ 2 نقطة أساس فقط لعوائد السندات الألمانية لأجل عامين لتصل إلى %2.56.
الذهب يترنح قرب أدنى مستوياته في 7 أشهر متأثراً بالفائدة القوية
استقرت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الخميس، لكنها ظلت تحوم بالقرب من أدنى مستوياتها في أكثر من سبعة أشهر، متأثرة بضغوط التوقعات المتزايدة لرفع أسعار الفائدة الأمريكية وتزايد قوة الدولار.
خلال جلسة الخميس، استقر سعر الذهب الفوري عند 3,999.33 دولاراً للأوقية، وتراجعت عقوده الآجلة لشهر أغسطس بنسبة 0.2% لتصل إلى 4,014.90 دولاراً، بينما ارتفعت الفضة الفورية بنسبة 0.4% لتسجل 57.64 دولاراً، في حين انخفض البلاتين الفوري بنسبة 0.4% إلى 1,571.95 دولاراً، وصعد البالاديوم بنسبة 1.6% ليتداول عند 1,184.70 دولاراً.
وكان المعدن الأصفر قد كسر مستوى الدعم النفسي الهام البالغ 4,000 دولار يوم الأربعاء للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025، متراجعاً بأكثر من %28 من ذروته التاريخية البالغة 5,594.82 التي سجلها في 29 يناير الماضي.
وتشير التحليلات الفنية والمستندة إلى بيانات تدفقات الأموال إلى أن التحول المتشدد للاحتياطي الفيدرالي وإعادة تسعير توقعات الفائدة لا يزالان المحرك الأساسي لضعف الذهب. ويضاف إلى ذلك نزوح التدفقات النقدية الاستثمارية من صناديق المؤشرات المتداولة للذهب (ETFs) والتوجه المتزايد نحو الاستثمار في أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي (AI)، مما يقلل جاذبية الذهب كأصل غير مدر للعوائد.
أسواق النفط تسجل مستويات ما قبل الحرب وسط زيادة الإمدادات عبر مضيق هرمز
تراجعت أسعار النفط بحدة لتصل إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ ما قبل اندلاع الحرب الأخيرة على إيران، مدفوعة بتوقعات نمو معروض الخام من منطقة الشرق الأوسط وتراجع المخاوف المرتبطة بالإمدادات.
أسعار النفط الحالية
خام برنت: انخفضت العقود الآجلة لخام برنت تسليم أغسطس بمقدار 1.28 دولار، أو ما يعادل %1.74، لتصل إلى 72.46 للبرميل.
خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي: هبط الخام الأمريكي بمقدار 1.15 دولار، أو ما يعادل %1.63، ليسجل 69.19 للبرميل.
سجل كلا العقدين أدنى مستوياتهما السعرية منذ 27 فبراير الماضي، مدفوعين ببدء تلاشي التوترات الجيوسياسية عقب الاتفاق المبرم الأسبوع الماضي لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو ما سمح باستئناف حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.
وأشارت وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق تقترب من مستوياتها المعتادة قبل الحرب، مع خروج ما لا يقل عن 20 مليون برميل من المضيق خلال الـ 24 ساعة الماضية، على الرغم من أن العودة الكاملة للعمل الطبيعي قد تستغرق بضعة أسابيع لإتمام عمليات إزالة الألغام البحرية.
انقسامات محتملة داخل تحالف أوبك (OPEC)
إلى جانب زيادة الإمدادات، تواجه منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) تحديات هيكلية جديدة؛ حيث صرح مسؤول رفيع في وزارة النفط العراقية بأن بغداد قد تضطر إلى دراسة كافة الخيارات المتاحة إذا لم يتم زيادة حصتها الإنتاجية المقررة من أوبك بشكل ملموس. يأتي هذا الاحتمال ليدق ناقوس الخطر بعد الانسحاب المفاجئ لدولة الإمارات العربية المتحدة من المنظمة في وقت سابق من هذا العام.
العملات الرقمية تعاني من خسائر حادة وتصفية مراكز بمليار دولار
شهدت سوق الأصول الرقمية موجة هبوط واسعة النطاق خلال الـ 24 ساعة الماضية، بالتزامن مع تزايد المخاوف من استمرار تشديد السياسة النقدية الأمريكية والتعليقات المتشددة الصادرة عن بنك اليابان المركزي.
البيتكوين وصناديق الاستثمار المتداولة
انخفضت عملة "البيتكوين" (Bitcoin) دون مستويات 60,000 دولار للمرة الأولى منذ عام 2024، لتتراوح تداولاتها بين 63,098 و 59,030 دولار. وتزامنت هذه التحركات السعرية مع نزوح كثيف للاستثمارات من صناديق البيتكوين الفورية المتداولة في الولايات المتحدة (Bitcoin Spot ETFs)، حيث قفزت صافي التدفقات الخارجة إلى 469 مليون دولار يوم الأربعاء مقارنة بـ 114 مليون دولار يوم الثلاثاء. وجاء صندوق "iShares Bitcoin Trust (IBIT)" التابع لشركة بلاك روك في مقدمة الصناديق التي شهدت خروجاً للأموال بصافي تدفقات سلبية بلغت 239 مليون دولار.
وتراجعت معنويات السوق الرقمية بشكل حاد؛ حيث استقر مؤشر الخوف والجشع الخاص بالعملات الرقمية (Crypto Fear and Greed Index) عند مستوى 18 نقطة، مما يشير إلى حالة من "الخوف الشديد" لدى المتداولين. وقد انعكس هذا الذعر على بيانات تصفية المراكز المالية في عقود المشتقات، حيث بلغت قيمة التصفية الإجمالية للمراكز نحو مليار دولار خلال 24 ساعة، تضمنت تصفية مراكز شراء (Longs) بقيمة 780 مليون دولار ومراكز بيع (Shorts) بقيمة 221 مليون دولار.
التوقعات المرتقبة: بيانات التضخم الأمريكي ترسم مسار السياسة النقدية
تتجه كافة الأنظار حالياً نحو صدور بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE) في الولايات المتحدة لشهر مايو - وهو المقياس المفضل للتضخم لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وتشير توقعات خبراء الاقتصاد الذين استطلعت آراؤهم شبكة "رويترز" إلى إمكانية تسجيل نمو بنسبة %3.4، وهو ما يزال أعلى بكثير من المستهدف المتوسط للمركزي الأمريكي البالغ %2. وإذا ما جاءت القراءة مطابقة للتوقعات أو أعلى منها، فقد تترسخ قناعة الأسواق برفع إضافي للفائدة، مما سيمد الدولار بمزيد من الدعم، ويبقي على الضغوط البيعية قوية ضد الذهب والمعادن والعملات الرقمية والنفط على المدى القريب.
