قفزة قياسية في أسعار الذهب وتراجع الدولار والنفط بضغط من بيانات الوظائف الأمريكية
شهدت الأسواق المالية العالمية تحولات دراماتيكية يوم الخميس، حيث قفزت أسعار الذهب بأكثر من 2% لتسجل مستويات تاريخية جديدة، في وقت تلقى فيه الدولار الأمريكي ضربة قوية جراء صدور بيانات الوظائف الأمريكية التي جاءت مخيبة لآمال الأسواق بأقل من المتوقع بكثير. وتزامنت هذه التحركات مع هبوط حاد في أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في أربعة أشهر، مدفوعة ببوادر إنفراجة في المحادثات الدبلوماسية المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز.
أسعار الذهب تقفز لمستويات تاريخية بدعم من تعثر التوظيف الأمريكي
أظهرت التعاملات الفورية ارتفاعاً حاداً في أسعار الذهب بنسبة بلغت 2.4% ليصل سعر الأوقية (الأونصة) إلى 4,126.97 دولاراً أمريكياً بحلول الساعة 9:00 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (13:00 بتوقيت جرينتش). كما صعدت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة بنسبة 1.4% لتستقر عند 4,139.20 دولاراً أمريكياً.
وعزا المحللون هذا الصعود القياسي إلى التقرير الأخير الصادر عن وزارة العمل الأمريكية، والذي كشف عن إضافة الاقتصاد لـ 57,000 وظيفة فقط خلال الشهر الماضي في القطاع غير الزراعي، وهو رقم يقل بكثير عن توقعات خبراء الاقتصاد الذين رجحوا إضافة 110,000 وظيفة. وفي المقابل، تراجع معدل البطالة تراجعاً طفيفاً ليستقر عند مستوى 4.2% مقارنة بـ 4.3% في القراءة السابقة.
ويأتي هذا التقرير مكملاً لبيانات يوم الأربعاء التي أظهرت نمو وظائف القطاع الخاص الأمريكي بوتيرة أقل من المتوقع خلال شهر يونيو، مما يعزز فرضية تباطؤ زخم سوق العمل وأثر ذلك المباشر في دفع المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن.
إعادة تقييم لسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي وتراجع الدولار
أدت بيانات الوظائف الأمريكية الضعيفة إلى إعادة تسعير فورية للاحتمالات المتعلقة بالسياسة النقدية لـ مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي). ووفقاً لأداة "CME FedWatch"، تراجعت توقعات المتعاملين لإمكانية رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل إلى نحو 51% (وفي تقديرات أخرى لأسواق العقود الآجلة بلغت 53%)، مقارنة بنحو 66% إلى 67% قبيل صدور التقرير.
وفي هذا السياق، تراجع مؤشر الدولار الأمريكي الذي يقيس أداء العملة الخضراء مقابل سلة من ست عملات رئيسية بنسبة 0.66% ليصل إلى مستوى 100.73 نقطة. وقد ساهم هذا الهبوط في جعل المعادن المقومة بالدولار أقل تكلفة لحاملي العملات الأخرى، مما حفز شهية الشراء. وعلى الجانب الآخر، ارتفع اليورو بنسبة 0.63% ليتداول عند مستوى 1.1448 دولار، في حين شهد الين الياباني قفزة قوية مدفوعاً بترقب المتداولين لتدخل محتمل من السلطات النقدية اليابانية لحماية العملة.
وعلى الرغم من هذا التراجع، تشير قراءات استراتيجية السوق إلى أن الضعف الحالي قد يعود في جزء منه إلى عوامل موسمية، لاسيما وأن التباطؤ الأكبر تركز في قطاعي الترفيه والضيافة. تجدر الإشارة إلى أن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، صرح مؤخراً بأن توقعات ومخاطر التضخم قد انخفضت في الأسابيع الأخيرة، مع تأكيده المستمر على التزام البنك بإعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2%.
ومن جانب آخر، يدعم الاتجاه الصاعد للمعدن النفيس عودة البنوك المركزية للشراء؛ حيث أعلن مجلس الذهب العالمي أن الاحتياطيات الرسمية من الذهب ارتفعت بصافي 41 طناً خلال شهر مايو الماضي.
أسعار النفط تهبط لأدنى مستوياتها في 4 أشهر مع تراجع مخاطر الإمدادات
بالتوازي مع قفزة الذهب، انخفضت أسعار النفط بنحو 2% لتسجل أدنى مستوياتها منذ أواخر فبراير الماضي. وهبطت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 91 سنتاً أو ما يعادل 1.3% لتستقر عند 70.66 دولاراً للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.04 دولار أو بنسبة 1.5% ليسجل 67.54 دولاراً للبرميل.
وجاء هذا الهبوط الحاد في أسعار الخام مدفوعاً بتراجع المخاوف بشأن تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. وأعلنت وزارة الخارجية القطرية عبر منصة "إكس" عن إحراز "تقدم إيجابي" في المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن المذكرة التي أدت إلى وقف العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في شهر يونيو الماضي، على الرغم من عدم وجود مؤشرات واضحة حتى الآن على التوصل إلى سلام دائم.
ومن المقرر عقد الجولة القادمة من المفاوضات بعد انتهاء مراسم تشييع الجنازة المقررة بعد تاريخ 9 يوليو للقائد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي.
توازن العرض والطلب والتوقعات المستقبلية للخام
أوضح محللون أن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز استمرت بشكل طبيعي تزامناً مع لجوء الولايات المتحدة لسحب كميات من احتياطياتها الاستراتيجية لتعويض أي نقص، في وقت لم يشهد فيه الطلب الصيني على النفط الخام انتعاشاً كاملاً بعد. وتشير البيانات الملاحية إلى أن خمس ناقلات عملاقة تحمل نحو 10 ملايين برميل من النفط السعودي قد غادرت ميناء رأس تنورة متجاوزة مضيق هرمز، مع تحول شركة "أرامكو السعودية" إلى تسعير الشحنات الفورية لتسريع وتيرة المبيعات في الأسواق الآسيوية.
وعلى الرغم من إعلان إدارة معلومات الطاقة الأمريكية يوم الأربعاء عن تراجع مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2018 بدعم من ارتفاع الطلب على التكرير المحلي وتراجع مخزونات البنزين، إلا أن بنك "يو بي إس" (UBS) بادر بخفض توقعاته لأسعار خام برنت، مستنداً إلى زيادة حركة الشحن عبر المضيق.
وقام البنك بتعديل توقعاته لأسعار برنت على النحو التالي:
خفض تقديرات الربع الثالث بمقدار 25 دولاراً للبرميل لتصل إلى 80 دولاراً.
خفض توقعات الربع الرابع لعام 2026 بمقدار 10 دولارات لتصل إلى 80 دولاراً للبرميل.
تقليص النظرة المستقبلية لعام 2027 بمقدار 10 دولارات لتبلغ 75 دولاراً للبرميل.
يرسم المشهد الاقتصادي الحالي صورة من عدم اليقين؛ حيث يسير الاتجاه الصعودي لأسعار الذهب مدفوعاً بآمال خفض الفائدة الأمريكية بالتوازي مع تراجع الضغوط التضخمية والجيوسياسية التي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة العالمية.
