أسعار الذهب، النفط، والدولار: كيف أعادت بيانات الوظائف صياغة المشهد المالي العالمي؟
شهدت الأسواق المالية العالمية منعطفاً بارزاً بنهاية تداولات الأسبوع، حيث أسهمت بيانات الوظائف الأمريكية الأخيرة، والتي جاءت دون التوقعات بكثير، في إعادة تشكيل معنويات المستثمرين وصياغة مشهد حركة الأصول الرئيسية. وقد انعكس هذا التحول بشكل مباشر على العلاقة الديناميكية بين الدولار الأمريكي، وأسعار الذهب، وأسواق النفط؛ حيث قاد تراجع العملة الخضراء إلى قفزة قوية في المعادن الثمينة، بينما بحثت أسواق الطاقة عن التوازن بين معطيات العرض والطلب والمؤشرات الجيوسياسية.
أسعار الذهب تنهي سلسلة الخسائر مستفيدة من هبوط الدولار
نجحت أسعار الذهب في إنهاء سلسلة من الخسائر استمرت لأربعة أسابيع متتالية، مسجلة ارتفاعاً ملحوظاً في تداولات نهاية الأسبوع لتتجه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية قوية. وجاء هذا الصعود مدفوعاً بشكل أساسي بتبدد مخاوف المستثمرين من استمرار تشديد السياسة النقدية الأمريكية لفترة أطول، وانخفاض العائد على السندات.
وفي تفاصيل أداء المعدن الأصفر والمعادن المصاحبة:
ارتفع السعر الفوري للذهب بنسبة تناهز 1.5% ليصل إلى 4,184.75 دولاراً للأونصة، وهو أعلى مستوى يسجله المعدن منذ الثالث والعشرين من يونيو.
حافظ الذهب على تداولاته فوق مؤشر المتوسط المتحرك لـ 21 يوماً، محققاً مكاسب أسبوعية إجمالية بلغت نحو 2.4%.
على صعيد العقود الآجلة، ارتفعت عقود الذهب الأمريكية لتسليم أغسطس بنسبة 1.73% لتصل إلى مستوى 4,197.20 دولاراً للأونصة.
في سوق المعادن الأخرى، ارتفعت الفضة الفورية بنسبة 2.8% لتصل إلى 62.7 دولاراً للأونصة، وصعد البلاتين بنسبة 2.9% إلى 1,662.66 دولاراً، في حين ارتفع البلاديوم بنسبة 1.2% مسجلاً 1,280.75 دولاراً.
ويعزى هذا الانتعاش القوي للذهب والعملات البديلة إلى تراجع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائداً شهرياً، وهو سلوك استثماري كلاسيكي ينشط مع تراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة.
الدولار الأمريكي يتجرع مرارة البيانات الضعيفة ويفسح المجال للعملات الكبرى
جاءت بيانات وزارة العمل الأمريكية لتظهر تباطؤاً حاداً وغير متوقع في وتيرة التوظيف؛ حيث ارتفعت الوظائف غير الزراعية بمقدار 57,000 وظيفة فقط خلال الشهر الماضي، وهو رقم يقل بكثير عن توقعات خبراء الاقتصاد التي كانت تشير إلى زيادة قدرها 110,000 وظيفة.
هذا التراجع الحاد دفع المتداولين إلى إعادة تقييم احتمالات رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي في اجتماع سبتمبر المقبل:
تراجعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر إلى نحو 35% وفقاً لبيانات "LSEG" (وهبطت إلى نحو 54% وفقاً لأداة "CME FedWatch")، مقارنة بنحو 66% قبل صدور البيانات.
انخفضت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين بمقدار 4 نقاط أساس، كاسرةً سلسلة مكاسب استمرت لثلاثة أيام متتالية.
ونتيجة لذلك، اتجه مؤشر الدولار الأمريكي لتسجيل أكبر خسارة أسبوعية له منذ أوائل أبريل الماضي، متراجعاً بنسبة 0.3% في التداولات اليومية ليصل إلى مستوى 100.68 وبانخفاض أسبوعي إجمالي قدره 0.7%. وقد وفر هذا الهبوط مساحة لالتقاط الأنفاس للعملات الرئيسية الأخرى:
اليورو: ارتفع بالقرب من أعلى مستوى له في أسبوعين عند 1.1472 دولار، محققاً مكاسب أسبوعية بنسبة 0.6%.
الجنيه الإسترليني: تماسك عند مستوى 1.3380 دولار، مسجلاً مكاسب أسبوعية بنسبة 1.2%.
الين الياباني: استرد بعض عافيته ليتداول فوق مستوى 161 ين للدولار، بعد أن كان قد هبط إلى أدنى مستوى له منذ 40 عاماً عند 162.84 ين.
أسواق النفط تبحث عن التوازن وسط بوادر تهدئة جيوسياسية وزيادة المعروض
على خلاف الارتباط الطردي المعتاد بين هبوط الدولار وارتفاع السلع، استقرت أسعار النفط دون تغيرات تذكر في تداولات نهاية الأسبوع قبيل عطلة عيد الاستقلال في الولايات المتحدة. وجاء هذا الاستقرار نتيجة لتداخل عوامل العرض المتزايد مع التفاؤل الحذر بشأن نجاح الجهود الدبلوماسية الرامية لتأمين مسار السلام في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران.
وسجلت أسواق النفط المستويات التالية:
صعدت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 7 سنتات أو بنسبة 0.1% لتصل إلى 71.87 دولاراً للبرميل.
تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 6 سنتات أو بنسبة 0.09% ليسجل 68.63 دولاراً للبرميل.
وعلى الجانب الهيكلي، تحول سوق النفط من حالة "الباكورداديشن" (Backwardation) - حيث الأسعار الفورية أعلى من الآجلة - إلى حالة "الكونتانجو" (Contango)، مما يعكس تراجع المخاوف بشأن حدوث نقص في الإمدادات مستقبلاً. ويأتي هذا التحول بالتزامن مع استئناف بعض حركة الشحن عبر مضيق هرمز ومساعي منتجي الخليج لزيادة الإنتاج؛ حيث قفز إنتاج الكويت من النفط بشكل حاد إلى 1.65 مليون برميل يومياً في يونيو مقارنة بـ 580,000 برميل يومياً في مايو، في حين اتجهت شركة أرامكو السعودية لتسعير شحناتها بالأسعار الفورية لتسريع المبيعات في آسيا بالتزامن مع استمرار السحب من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي (SPR).
صناديق البيتكوين تلتقط الأنفاس وتستفيد من تراجع عوائد السندات
في سوق الأصول الرقمية، انعكس تراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات إيجاباً على معنويات المخاطرة لدى المستثمرين. وارتفعت عملة البيتكوين بنسبة 0.2% لتتداول عند مستوى 61,662 دولاراً، بعد أن لامست أعلى مستوى لها في أسبوع عند 62,128 دولاراً مدعومة ببيانات سوق العمل الضعيفة.
وعلى صعيد الصناديق الاستثمارية المتداولة (ETFs)، تمكنت صناديق البيتكوين الفورية في الولايات المتحدة من كسر سلسلة تدفقات خارجة استمرت لعشرة أيام متتالية:
سجلت الصناديق صافي تدفقات واردة بلغت 221.7 مليون دولار في الثاني من يوليو.
قاد صندوق "Fidelity" (FBTC) هذه التدفقات بدخول 166 مليون دولار، يليه صندوق "Ark Invest and 21Shares" (ARKB) بصافي تدفقات بلغت 91.8 مليون دولار.
في المقابل، واصل صندوق "BlackRock" (IBIT) تسجيل تدفقات خارجة لليوم الحادي عشر على التوالي، حيث فقد نحو 40.4 مليون دولار، مما يعكس تبايناً في استراتيجيات المؤسسات الاستثمارية الكبرى في الوقت الراهن.
ختاما تؤكد التطورات الأخيرة مدى الترابط الوثيق بين الذهب، والنفط، والدولار في توجيه بوصلة الاستثمارات العالمية. إن تباطؤ سوق العمل يضعف الدولار الأمريكي، وهو ما يمثل دعماً مباشراً لـ أسعار الذهب كأداة تحوط مفضلة ضد تقلبات العملات وملاذ آمن في أوقات التباطؤ الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن أسعار النفط تقف عند منطقة رمادية؛ حيث تستفيد من هبوط الدولار الذي يجعل النفط أرخص للمشترين بالعملات الأخرى، لكنها تواجه ضغوطاً موازية ناتجة عن مخاوف التباطؤ الاقتصادي الأمريكي وزيادة المعروض الخليجي. تتطلب المرحلة المقبلة من المستثمرين مراقبة وثيقة للاجتماع القادم لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، حيث ستكون مستويات الفائدة هي المحرك الأساسي لتحديد اتجاه هذه الأصول الثلاثة.
