التضخّم العنيد في مواجهة سوق عمل مترنح: قراءةٌ في معضلة الفيدرالي الأمريكي
تمر الأسواق المالية بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها إشارات متناقضة. فالتضخم لا يزال عصيًّا على الانحسار، إذ سجّل مؤشّر أسعار المستهلك في مايو ارتفاعًا سنويًّا بلغ 4.2%، وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2023 وثالث تسارع شهري على التوالي. وفي المقابل بدأت ملامح الوهن تظهر على سوق العمل الأمريكي مع أحدث البيانات، بعد أن أضافت أرقام الوظائف غير الزراعية في يونيو 57 ألف وظيفة فقط، وهي الأضعف في أربعة أشهر ودون التوقعات البالغة نحو 110 إلى 115 ألفًا. هذا التقاطع يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة نقدية كلاسيكية: أن يواصل التشدّد لكبح الأسعار، أو أن يتريّث حماية لنمو بدأت أسسه تتزعزع. وقراءة هذه المعضلة تبدأ من التمييز بين مصدري التضخم، فالتضخم الناتج عن صدمة عرض يختلف عن التضخم الذي يترسخ في بنية الطلب.
من صدمة الطاقة إلى تراجع علاوة المخاطر

كان المحرك الأول لموجة التضخم الأخيرة اختلالًا في إمدادات الطاقة، إثر الحرب بين الولايات المتحدة وإيران التي اندلعت في أواخر فبراير وما رافقها من تعثر في مرور الإمدادات عبر مضيق هرمز. وانعكس ذلك ارتفاعًا حادًّا في أسعار النفط، إذ لامس خام برنت ذروةً قرب 120.88 دولارًا للبرميل نهاية أبريل، وحمّلت السوق ضمن هذا السعر ما يُعرف بعلاوة المخاطر تحسّبًا لتصاعد الأزمة. وتظهر آثار هذه الصدمة بوضوح في تفاصيل التضخم، فقد قفز مؤشّر الطاقة في مايو بنسبة 23.5% سنويًّا، بارتفاع في البنزين بلغ 40.5%، واستأثر وحده بأكثر من 60% من الزيادة الشهرية في المؤشر العام.

غير أن المشهد بدأ يتبدل جذريًّا. فمع بروز مفاوضات بين واشنطن وطهران في الدوحة حول تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، ومع رفع أوبك+ حصص الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًّا، تراجعت أسعار النفط بقوة حتى عاد برنت إلى نحو 72 دولارًا وخام غرب تكساس إلى ما دون 69 دولارًا، أي إلى مستويات ما قبل الحرب تقريبًا، بعد أن سجّل برنت في يونيو أكبر هبوط شهري منذ عام 2020. وبذلك تلاشى الجزء الأكبر من علاوة المخاطر التي تراكمت خلال أشهر التوتر.
وهنا يبرز الاستنتاج الأهم تحليليًّا. فإذا كان مصدر التضخم الرئيس قد بدأ يتلاشى، فإن أي تضخم يثبت بعد ذلك لن يكون تضخم عرض عابرا. ويكتسب هذا الاستنتاج وزنا إضافيًّا حين نلاحظ أن التضخم الأساسي، باستثناء الغذاء والطاقة، بلغ 2.9% في مايو، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2025، ما يشير إلى ضغط سعري أكثر رسوخا يعمل تحت سطح الأرقام. وهذا ما يبرر وصف التضخم بالعنيد، وما يجعله محور اهتمام صناع السياسة النقدية.
سوق العمل والدولار: انكسار في التوقعات

جاءت أحدث بيانات سوق العمل لتحدث اضطرابًا ملحوظًا، انعكس هبوطًا قويًّا في الدولار. فإلى جانب ضعف أرقام يونيو، خُفّضت قراءة مايو إلى 129 ألف وظيفة بعد أن كانت 172 ألفًا. ورغم تراجع معدل البطالة إلى 4.2%، فإن ذلك تزامن مع انخفاض معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 61.5%، وهو ما يخفف من الدلالة الإيجابية للرقم. ودفع هذا الضعف مؤشّر الدولار إلى ما دون مستوى 101، مسجّلًا أكبر تراجع أسبوعي في نحو ثلاثة أشهر وأدنى مستوى له خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.

والسبب المباشر أن ضعف سوق العمل قلّص توقعات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل. فوفق أداة CME FedWatch تراجع احتمال الرفع إلى نحو 53% بعد أن كان يتجاوز 64 إلى 67% قبل صدور تقرير الوظائف. ويجري هذا التحول على خلاف النبرة المتشدّدة لرئيس الفيدرالي كيفن وورش، الذي شدّد على أن الأسعار مرتفعة أكثر من اللازم، وأكد التزام البنك بإعادة التضخم إلى هدف 2%، لا سيّما أن لجنة السوق المفتوحة رفعت في اجتماع يونيو توقعاتها للتضخم لعام 2026 إلى 3.6%، ورفعت متوسط توقعات سعر الفائدة إلى 3.8%، من نطاق حالي عند 3.50% إلى 3.75%.

على أن الحيطة تظلّ واجبة. فالحكم على دخول سوق العمل مسارًا ضعيفًا لا يُبنى على قراءة شهرية واحدة، إذ قد تحمل بيانات شهر منفرد تشويشًا موسميًّا أو تصحيحيا لا يرقى إلى تأكيد اتجاه. وما لم تتوالَ قراءات ضعيفة على مدى أكثر من شهر، يبقى تفسير هذه البيانات مفتوحًا على أكثر من احتمال، ويبقى معه مسار الفيدرالي غير محسوم.
بيانات منتصف يوليو: نقطة الحسم

يتّجه ثقل القرار نحو بيانات التضخم المرتقبة، وأولها مؤشّر أسعار المستهلك CPI لشهر يونيو يوم 14 يوليو، يليه مؤشّر أسعار المنتج PPI يوم 15 يوليو. فهذه القراءات هي التي سترجح كفّة أحد المسارين. المسار الأول أن يتراجع التضخم مع تطبيع أسعار الطاقة، فتتعزّز فرضية التريث. والمسار الثاني أن يظهر ثبات في الأسعار الأساسية رغم انحسار صدمة النفط، فترتفع معه احتمالات رفع الفائدة دفاعًا عن هدف استقرار الأسعار. وبذلك يكون منتصف يوليو موعد اختبار فرضية التضخم العنيد على محكّ الأرقام، فإن جاء التضخم الأساسي متماسكًا مع نفط عائد إلى مستوياته الطبيعية، تأكّد أن الضغط انتقل من العرض إلى الطلب.
الذهب: سلوكٌ يكشف طبيعة الدوافع
يقدّم الذهب في هذا السياق مؤشرًا كاشفًا. فقد ظل متراجعًا طوال أشهر الحرب، حتى سجّل في الربع الثاني من 2026 أسوأ أداء فصلي له منذ ثلاثة عشر عامًا، ولا يزال يتداول بخصم يقارب 22% عن ذروته التاريخية القريبة من 5,300 إلى 5,600 دولار المسجّلة في يناير. والسبب أن تحول السيولة نحو الدولار بحثًا عن العائد المرتفع ضغط على المعدن النفيس عبر ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة، لا سيّما بعد أن عزّز ترشيح وورش رئيسًا للفيدرالي التوقعات المتشددة.

ثم جاء التحول مع ضعف بيانات سوق العمل، إذ قفز الذهب أكثر من 2% ليتخطى 4,174 دولارًا يوم 6 يوليو، محققا أول مكسب أسبوعي له منذ خمسة أسابيع. وتكشف هذه الحركة مفارقة دالة، فالذهب لم يصعد أيام الحرب بوصفه ملاذًا آمنًا بالقوة نفسها التي صعد بها لاحقًا مع مجرد تراجع احتمالات رفع الفائدة. ويعني ذلك أن المحرك الأقوى لأسعاره في هذه الدورة لم يكن الطلب على الأمان بقدر ما كان مسار السياسة النقدية وتكلفة الفرصة البديلة، فالذهب يتحرك مع العائد الحقيقي أكثر من تحركه مع المخاطر الجيوسياسية العابرة.

الملخص في سطور
تتراجع اليوم صدمة العرض التي أشعلت التضخم، مع نفط عاد إلى مستويات ما قبل الحرب وعلاوة مخاطر تبخرت. لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا حول ما تبقى من تضخم: هل هو عابر يتبدد مع انحسار ضغط الطاقة، أم عنيد متجذر في الطلب يشهد عليه معدل أساسي عند 2.9%. وفي المقابل، تشير البيانات الأولى لسوق العمل إلى وهن يحتاج تأكيدًا زمنيًّا يمتد لأكثر من شهر. وبين هذين الضغطين يقف الفيدرالي مشدودًا بين تفويضيه في كبح الأسعار وحماية التشغيل. ويرجح أن يبقى القرار رهين البيانات، وفي مقدّمتها قراءتا 14 و15 يوليو، لا رهين النبرة المسبقة لأي من صنّاع القرار مهما بلغ تشددهم.
