لماذا يخشى مستثمرو النفط انتقال "حرب رسوم العبور" إلى مضيق ملقا؟
أثارت المساعي الإيرانية الأخيرة الرامية إلى فرض سيطرة أكبر على حركة الملاحة في مضيق هرمز موجة من القلق والاضطراب لدى الفاعلين في أسواق الطاقة العالمية. ولم يقتصر هذا القلق على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل امتد ليشمل مخاوف جديّة بين مستثمري النفط من إمكانية استنساخ هذا النموذج وفرض رسوم عبور في ممرات مائية حيوية أخرى، وعلى رأسها مضيق ملقا، الذي يعد أحد أهم الشرايين الجيواستراتيجية لحركة التجارة وإمدادات النفط العالمية. ويرى محللون أن مجرد طرح فكرة "تسعير المرور" في الممرات الدولية يهدد بإعادة صياغة اقتصاديات الشحن البحري ويزيد من تكاليف تأمين ناقلات النفط بشكل غير مسبوق.
تأتي هذه المخاوف في أعقاب تقارير كشفت عن تقديم إيران وسلطنة عمان — اللتين تقعان على جانبي مضيق هرمز — مقترحاً إلى الولايات المتحدة لإدارة هذا الممر المائي الضيق بشكل مشترك، بما يشمل تحصيل رسوم خدمات إدارية وتأمين من السفن العابرة، وهو ما اعتبره المستثمرون سابقة قد تُشرعن "خصخصة" الممرات المائية الدولية.
مضيق هرمز: الشرارة التي أيقظت مخاوف الأسواق
وفقاً لمذكرة تفاهم جرى الاتفاق عليها مؤخراً بين الولايات المتحدة وإيران، سُمح للسفن بالمرور الآمن والحر عبر مضيق هرمز لمدة 60 يوماً. وتكمن أهمية هذا الممر في كونه يستوعب وحده نحو 20% من إجمالي حركة نقل النفط العالمية يومياً، أي ما يعادل تدفق ملايين البراميل من الخام والمنتجات المكررة نحو الأسواق الآسيوية والغربية على حد سواء.
وبموجب التفاهمات، من المقرر أن تحدد إيران وعُمان الشروط المستقبلية للإدارة والخدمات البحرية في المضيق بعد إجراء محادثات مع دول الخليج العربي الأخرى، وبما يتوافق مع القانون الدولي المعني بالحقوق السيادية للدول المشاطئة للمضايق الدولية. إلا أن الغموض الذي يكتنف طبيعة هذه "الخدمات الإدارية" والرسوم المرتبطة بها يثير قلقاً بالغاً؛ إذ يخشى خبراء الاقتصاد من تحول هذه الرسوم إلى أداة جيوسياسية لابتزاز القوى الاقتصادية الكبرى، أو فرض أعباء مالية إضافية تُمرر في نهاية المطاف إلى المستهلك النهائي في صورة ارتفاع بأسعار الوقود.
هذا التوجه نحو تقنين رسوم الخدمات في مضيق هرمز أطلق جرس إنذار عالمي، حيث يخشى المستثمرون من أن يمهد ذلك الطريق لفرض إجراءات مماثلة في ممرات بحرية أخرى ذات أهمية استراتيجية قصوى، مما يهدد بنشوء "نظام جمركي بحري موازٍ" يتنافى مع مبادئ التجارة الحرة.
مضيق ملقا: الشريان الأهم للتجارة الآسيوية
يرى خبراء أسواق السلع الأساسية أن أي حديث عن فرض رسوم في مضيق هرمز يرفع تلقائياً من درجات التحوط والحذر تجاه مضيق ملقا. ويُعزى ذلك إلى الأهمية الحجمية الفائقة لهذا المضيق؛ إذ تظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن مضيق ملقا — الذي يمثل نقطة الاختناق الرئيسية في قارتي آسيا وأوقيانوسيا — استحوذ وحده على حوالي 29% من إجمالي التدفقات النفطية البحرية عالمياً في النصف الأول من عام 2025. وتترجم هذه النسبة إلى عبور ما يقارب 15 إلى 16 مليون برميل يومياً من النفط، مما يجعله القلب النابض لاقتصادات شرق آسيا مثل الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بشكل شبه كلي على هذا الممر لتأمين احتياجاتها الصناعية.
وتشير التقديرات إلى أن النفط الخام يشكّل أكثر من 70% من إجمالي تدفقات الطاقة التي تعبر هذا الممر المائي سنوياً، في حين تُمثل المشتقات البترولية النسبة المتبقية. ويمتد المضيق على مسافة تقارب 900 كيلومتر، مشكلاً أقصر طريق بحري يربط بين شرق آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وأوروبا، وتحدّه أربع دول رئيسية هي: إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وتايلاند. ونظراً لضيق عرضه في بعض النقاط (حيث يصل إلى أقل من 3 كيلومترات في قناة سنغافورة)، فإن أي تهديد بفرض قيود أو رسوم عبور هناك قد يتسبب في اختناقات لوجستية كارثية تمتد آثارها إلى الأسواق المالية العالمية في غضون ساعات.
هل يواجه مضيق ملقا خطر التحول إلى بؤرة صراع؟
على الرغم من تصاعد قلق المستثمرين، يبدي خبراء الملاحة الدولية شكوكاً عميقة حول إمكانية تطبيق نظام الرسوم في مضيق ملقا لعدة أسباب قانونية ومؤسسية تجعل المقارنة بينه وبين مضيق هرمز غير دقيقة بالكامل:
1. القيود القانونية الدولية
في أبريل الماضي، لوّح وزير المالية الإندونيسي، بوربايا يودهي ساديوا، باحتمالية فرض رسوم على السفن المستخدمة للمضيق (نظراً لأن الساحل الإندونيسي يشكل الحافة الجنوبية الكاملة له)، قبل أن يتراجع سريعاً عن هذا المقترح نتيجة للضغوط الدولية والمخاوف من إلحاق الضرر بسمعة البلاد الاستثمارية. ويجمع خبراء القانون الدولي على أن فرض مثل هذه الرسوم يعد خطوة غير قانونية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تضمن حق "المرور العابر دون عوائق" عبر المضايق المستخدمة للملاحة الدولية. وبخلاف مضيق هرمز، حيث تتمتع إيران بنفوذ وتفسير خاص للقوانين البحرية، فإن الدول المشاطئة لمضيق ملقا ملتزمة بالكامل بالاتفاقيات الدولية التي تحظر صراحة فرض أي ضرائب أو رسوم على مجرد المرور البريء.
2. التنسيق الأمني والمؤسسي المشترك
بخلاف الوضع في مضيق هرمز المعرض للتوترات الجيوسياسية المباشرة والاستقطابات الأحادية، يتمتع مضيق ملقا بمنظومة حماية مشتركة وقوية تقيد النزعات الفردية للدول. إذ تضمن "دوريات مضيق ملقا" (MSP) — التي تديرها بشكل جماعي كل من إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند — بقاء الممر مفتوحاً وآمناً أمام حركة التجارة العالمية من خلال دوريات بحرية وجوية منسقة. وتسهم هذه البنية المؤسسية المستقرة في حماية المضيق من الإغلاق المزاجي أو القرارات السياسية الأحادية، حيث تدرك الدول المشاطئة أن أي تعطيل لحركة الملاحة سيلحق ضرراً مباشراً باقتصاداتها المحلية القائمة على التصدير والخدمات اللوجستية.
وقد أكد الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو ورئيس الوزراء السنغافوري لورانس وونغ، خلال لقاء ثنائي عقد مؤخراً، التزامهما الراسخ بضمان المرور السلس وغير المقيد لجميع السفن عبر المضيق، ليرسلا رسالة طمأنة واضحة إلى أسواق الطاقة العالمية بأن ملقا سيظل ممراً آمناً وخالياً من النزاعات التجارية.
خيارات إعادة التوجيه والتكلفة الاقتصادية الباهظة
تظهر التحليلات الصادرة عن "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS) في واشنطن أن التحركات الأخيرة في مضيق هرمز أثبتت للاعبين الدوليين أن السيطرة على الاختناقات البحرية تمثل أداة قوية لتعزيز النفوذ الردعي للدول، وهو ما قد يغري قوى إقليمية أخرى باتباع النهج ذاته في مناطق جغرافية مختلفة.
وتزداد هذه المخاطر تعقيداً في منطقة بحر الصين الجنوبي، لا سيما مع وجود ممرين استراتيجيين يربطان كبرى المراكز الاقتصادية في العالم: وهما مضيق ملقا ومضيق تايوان. وفي حال حدوث أي تعطل أو فرض قيود على أي من هذين الممرين، فإن خيارات إعادة توجيه السفن تظل متاحة عبر مسارات بديلة (مثل مضيق لومبوك أو مضيق سوندا). ومع ذلك، فإن هذه البدائل تنطوي على تحديات لوجستية وعملياتية هائلة؛ فعلى سبيل المثال، يتطلب المرور عبر مضيق لومبوك إبحار ناقلات النفط الضخمة لمسافات أطول بكثير، مما يضيف عدة أيام إلى زمن الرحلة ويزيد من استهلاك الوقود وتكاليف الشحن البحري بملايين الدولارات للشحنة الواحدة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مضيق سوندا يتميز بعمقه المحدود وممراته الضيقة، مما يجعله غير مناسب لعبور ناقلات النفط العملاقة من فئة (VLCC). هذه التكاليف والتعقيدات اللوجستية المرتفعة ستنعكس بشكل فوري على أسعار المواد الخام والسلع الأساسية، مما يغذي موجات التضخم العالمي ويضغط على سلاسل التوريد المنهكة بالفعل.
وفي الختام، وعلى الرغم من استبعاد التطبيق الفعلي لرسوم المرور في مضيق ملقا نظراً للأطر القانونية الصارمة والتوافق الإقليمي المتين، إلا أن مجرد طرح الفكرة وتداولها في المضايق الحيوية يظل عاملاً محفزاً لتقلبات أسواق النفط. إن هذا المشهد يدفع المستثمرين وصناع القرار بصفة مستمرة إلى إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية لسلاسل الإمداد العالمية، والبحث عن استراتيجيات تحوط جديدة لحماية تدفقات الطاقة من أي اضطرابات محتملة في هذه الممرات الحساسة.
