أسعار الذهب والنفط تشتعل وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وتحولات هيكلية في تمويل الاقتصاد الأمريكي
سجلت الأسواق المالية العالمية تحولات حادة اليوم، حيث تضافرت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط مع ترقب المستثمرين لتوجهات السياسة النقدية الأمريكية، مما أدى إلى إعادة صياغة حركة الأصول الأساسية وفي مقدمتها أسعار الذهب والنفط. وبينما نجح المعدن الأصفر في استرداد بعض خسائره بدعم من عمليات اقتناص الفرص، شهدت أسواق الخام حالة من التذبذب الحذر وسط مخاوف حقيقية تحيط بسلامة سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز الإستراتيجي.
أسعار الذهب تسترد عافيتها بدعم من "صيد الصفقات" والتحوط الجيوسياسي
شهدت أسعار الذهب والنفط تبايناً في الأداء؛ إذ ارتفعت أسعار الذهب الفورية بأكثر من 1% لتصل إلى 4116.70 دولاراً للأوقية (الأونصة)، بعد أن كانت قد تراجعت في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى لها منذ الأول من يوليو الحالي. وفي الوقت نفسه، سجلت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم أغسطس ارتفاعاً بنسبة 1.1% لتبلغ 4126.60 دولاراً للأوقية.
ويعزى هذا الارتداد بشكل رئيسي إلى ظهور عمليات شراء واقتناص للمستويات السعرية المنخفضة (Bargain Hunting). وفي هذا السياق، يرى مراقبو السوق أن محرك الذهب القصير الأجل يظل مرتبطاً بقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي). ففي حال تبني الفيدرالي توجهاً تيسيرياً وخفض أسعار الفائدة، فإن الذهب والفضة مرشحان للصعود القوي، بينما سيتعرض المعدنان لضغوط هبوطية إذا ما ألمح البنك إلى الحاجة لمزيد من التشديد النقدي لمواجهة التضخم.
في الوقت الراهن، تسعر الأسواق فرصة تقارب 64% لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل، وفقاً لأداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة (CME). وتأتي هذه التوقعات مدعومة بمحاضر اجتماع الفيدرالي لشهر يونيو، والتي أظهرت قلقاً متزايداً لدى صناع السياسات النقدية بشأن ثبات التضخم.
وعلى صعيد التوقعات طويلة المدى، خفض بنك (HSBC) توقعاته لمتوسط أسعار الذهب لعامي 2026 و2027 إلى 4560 و4925 دولاراً للأوقية على التوالي، مقارنة بالتوقعات السابقة البالغة 4864 و5000 دولاراً.
أما بالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى:
ارتفعت الفضة الفورية بنسبة 2.4% لتسجل 59.66 دولاراً للأوقية.
صعد البلاتين بنسبة 2.4% ليصل إلى 1615 دولاراً للأوقية.
كسب البلاديوم ما نسبته 3.4% ليبلغ 1255.61 دولاراً للأوقية.
أسواق النفط ترصد مخاطر الإمدادات عبر مضيق هرمز
تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف اليوم بعد مكاسب قوية حققتها في وقت سابق، حيث تعكف الأسواق على تقييم تداعيات التصعيد العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.1% لتصل إلى 77.91 دولاراً للبرميل، في حين تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 0.5% ليسجل 73.14 دولاراً للبرميل، بعد أن كان الخامان القياسيان قد بلغا أعلى مستوياتهما منذ أواخر يونيو الماضي في الجلسة السابقة.
وجاء هذا التوتر الميداني إثر استهداف القوات الإيرانية لبنى تحتية عسكرية أمريكية في دول خليجية مجاورة، رداً على ضربات أمريكية سابقة طالت مناطق ساحلية وشرقية في إيران، مما هدد بانهيار اتفاق هدنة دام ثلاثة أسابيع. كما أفادت تقارير إعلامية بإطلاق إيران لنحو 10 صواريخ باليستية استهدفت قاعدة الأزرق العسكرية في الأردن.
وقد دفعت هذه التطورات بعض شركات التأمين ضد مخاطر الحروب إلى نصح شركات الشحن البحري بتعليق رحلاتها مؤقتاً عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. وتعد السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي إحدى أوراق الضغط الأساسية في هذا الصراع الجيوسياسي المعقد.
وفي قراءة للمشهد، أشار بنك (Goldman Sachs) إلى أن مخاطر تدفق النفط من منطقة الخليج تظل ثنائية الاتجاه؛ حيث يتوقع البنك استقرار التدفقات بحلول نهاية يوليو إذا استمرت المفاوضات وجرى تفعيل الإعفاءات من العقوبات على النفط الإيراني. وفي إطار السيناريو الأساسي، يرجح البنك تداول خام برنت ضمن نطاق يتراوح بين 75 و85 دولاراً للبرميل خلال الشهر المقبل مع انحياز طفيف نحو الارتفاع. أما في حال فشل المحادثات وتصاعد الهجمات على الناقلات، فإن الإمدادات ستواجه اضطرابات أعمق قد تدفع الأسعار لمستويات قياسية جديدة.
تحول هيكلي في تمويل العجز الأمريكي: كيف يؤثر طوفان الذكاء الاصطناعي على الدولار؟
في تحليل مالي لافت، أشار بنك (Deutsche Bank) إلى أن الولايات المتحدة باتت تعتمد بشكل متزايد على تدفقات رؤوس الأموال الدولية المتجهة نحو أسهم شركاتها بدلاً من الاستثمار في سندات دينها الحكومية لتمويل عجزها المزدوج. ويرى البنك أن النزاعات الجيوسياسية الراهنة تثني المستثمرين الأجانب عن حيازة الديون السيادية الأمريكية، في حين تسهم طفرة الذكاء الاصطناعي (AI) في جذب رساميل ضخمة نحو أسواق الأسهم الأمريكية.
هذا التحول من التمويل القائم على الديون إلى التمويل القائم على الملكية والأسهم من شأنه تغيير ملف المخاطر الخاص بالدولار الأمريكي بشكل جذري؛ حيث إن الطلب على سندات الخزانة الأمريكية كان تاريخياً يسير بشكل معاكس للدورات الاقتصادية، مما يدعم العملة الأمريكية كأصل آمن أوقات الركود. أما الاعتماد الحالي على تمويل الأسهم المرتبط بقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المتقلب، سيجعل الدولار أكثر عرضة للمخاطر وأكثر ارتباطاً بالدورة الاقتصادية وأداء أسواق الأسهم.
الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة تعاني من عجز مزدوج ضخم، حيث بلغ عجز الحساب الجاري نحو 1.12 تريليون دولار في عام 2025 بالتزامن مع عجز تجاري يقارب 1 تريليون دولار، مما يجعل استقطاب التدفقات النقدية الأجنبية أمراً حيوياً لقدرة الحكومة الأمريكية على تمويل نفسها وتجنب تآكل ما يُعرف بـ "الامتياز الاستثنائي" لعملتها كاحتياطي عالمي أول.
ومع ذلك، استطاع الدولار تعويض ما يقرب من نصف الخسائر الحادة التي مني بها في عام 2025 (والتي بلغت نحو 10% تقريباً)، مدعوماً بحالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية، وتزايد احتمالات إقدام الاحتياطي الفيدرالي على تشديد السياسة النقدية قريباً، بالإضافة إلى التدفقات القياسية الطامحة للاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي في الأسواق المحلية.
