الأسواق العالمية تحت ضغط التصعيد الجيوسياسي: النفط يقفز، والذهب يتراجع وسط ترقب لسياسات الفيدرالي
شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الاضطراب والتحركات المتباينة في نهاية تعاملات الأسبوع، حيث تلاقت الضغوط الجيوسياسية في الشرق الأوسط مع حالة عدم اليقين بشأن التوجهات المقبلة للبنوك المركزية الكبرى. وأدى تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران إلى قفزة ملموسة في أسواق الطاقة، مما أجج مخاوف المستثمرين من موجة تضخمية جديدة قد تجبر الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) على الإبقاء على سياسته النقدية المتشددة لفترة أطول، وهو ما انعكس سلباً على شهية المخاطرة وأداء الأدوات المالية المختلفة.
أسواق الطاقة تلتهب: تصاعد التوترات في الخليج يهدد إمدادات النفط العالمية
اتجهت أسعار النفط نحو تحقيق مكاسب أسبوعية قوية بعد أن شنت القوات الإيرانية هجمات استهدفت البنية التحتية العسكرية الأمريكية في دول الخليج العربي (بما في ذلك مواقع في البحرين والكويت)، رداً على ضربات جوية أمريكية استهدفت مناطق ساحلية إيرانية. وتسببت هذه الأعمال العدائية في توقف شبه تام لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يتدفق عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية اليومية.
وعلى الرغم من التراجع الطفيف للأسعار في تداولات الجمعة لتهدئة المكاسب، إلا أن علاوة المخاطر تظل مرتفعة للغاية في الأسواق:
انخفضت العقود الآجلة لـ خام برنت بنسبة 0.9% لتصل إلى 75.62 دولاراً للبرميل، لكنها تتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 5%.
تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 0.9% ليسجل 71.44 دولاراً للبرميل، محققاً مكاسب أسبوعية تقارب 4%.
وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن هذا التصعيد قد يقوض توقعاتها السابقة بوجود فائض في معروض النفط خلال العام المقبل، مما يبقي الضغوط التضخمية قائمة على الاقتصاد العالمي.
السياسات النقدية والدولار: مخاوف التضخم تعزز التشدد ومكاسب "العملة الخضراء"
تعتبر أسواق العملات والسندات المحرك الأساسي للتوجهات الحالية؛ حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، مما يقلص احتمالات لجوء البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة. وبدلاً من ذلك، بدأت الأسواق تسعر احتمالية الاستمرار في مسار التشديد النقدي.
وتتأثر حركة الأصول العالمية حالياً بثلاثة محددات رئيسية:
قوة الدولار الأمريكي: استقر مؤشر الدولار (DXY) بالقرب من أعلى مستوياته في أسبوع عند 101.19 نقطة، مستفيداً من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعلن فيها انتهاء العمل بمذكرة التفاهم المؤقتة الموقعة مع إيران لإنهاء الصراع، مما دفع المستثمرين نحو العملة الأمريكية باعتبارها الملاذ الآمن الأبرز.
توقعات الفائدة الأمريكية: تشير أداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة (CME) إلى أن الأسواق تسعر حالياً احتمالاً بنسبة 58% لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل.
محاضر الفيدرالي والشهادة المرتقبة: أظهرت محاضر اجتماع البنك لشهر يونيو قلقاً متزايداً بين صانعي السياسات بشأن استمرار التضخم. وتترقب الأسواق بحذر بيانات التضخم الأمريكية (CPI) المقررة الأسبوع المقبل، إلى جانب الشهادة المرتقبة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد "كيفين وارش".
ولم يقتصر التشديد النقدي على الولايات المتحدة، بل امتد دولياً؛ حيث قام البنك المركزي النيوزيلندي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى 2.5% لكبح التضخم، ملوحاً بإمكانية إجراء المزيد من خفض المحفزات النقدية مستقبلاً.
أسواق المعادن الثمينة تحت وطأة الضغوط البيعية وقوة الدولار
في ظل ارتفاع العوائد على السندات وقوة الدولار الأمريكي، واجهت أسواق المعادن الثمينة ضغوطاً بيعية واضحة، لكونها أصولاً لا تدر عائداً دورياً، مما يقلل جاذبيتها الاستثمارية في بيئة الفائدة المرتفعة.
الذهب: انخفضت أسعار الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.6% لتصل إلى 4,098.46 دولاراً للأوقية، مسجلة خسارة أسبوعية تقارب 2%. ويشير المحللون إلى أن استمرار التصعيد قد يدفع الأسعار لاختبار مستوى الدعم النفسي الهام عند 4,000 دولار للأوقية. وفي حين شهدت الأسواق الهندية تداول الذهب بخصم سعري نتيجة لتقلبات الأسعار، استقر الطلب في الصين بدعم من مواصلة البنك المركزي الصيني تعزيز احتياطياته الذهبية بأكبر وتيرة شهرية منذ أكثر من عامين ونصف.
الفضة: تراجعت في المعاملات الفورية بنسبة 0.7% لتصل إلى 59.54 دولاراً للأوقية.
البلاتين والبلاديوم: سجلا ارتفاعات يومية طفيفة؛ حيث ارتفع البلاتين بنسبة 0.2% إلى 1,613.60 دولاراً، وصعد البلاديوم بنسبة 1.9% ليتداول عند 1,270.89 دولاراً، لكن المعادن الثلاثة ظلت متجهة لتسجيل خسائر جماعية على أساس أسبوعي.
ختاما تقف الأسواق المالية العالمية حالياً عند مفترق طرق خطير؛ حيث يتشابك ملف التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثيره المباشر على معروض الطاقة مع ملف السياسات النقدية الصارمة للبنوك المركزية بقيادة الاحتياطي الفيدرالي. وطالما بقيت أسعار النفط مرشحة للارتفاع نتيجة تعطل حركة التجارة في مضيق هرمز، فإن شبح التضخم سيظل يفرض نبرة متشددة على صانعي السياسة النقدية، مما يبقي أسواق الأسهم والمعادن تحت وطأة الضغوط البيعية لصالح النقد والدولار الأمريكي على المدى القريب.
