رئيس الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش يعلن "تغييراً جذرياً" في السياسة النقدية للقضاء على التضخم
في خطوة تمثل تحولاً مفصلياً في مسار الإدارة النقدية الأكبر في العالم، تعهد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كيفن وارش، بإجراء "تغيير جذري في النظام" (Regime Change) داخل البنك المركزي. وخلال شهادته نصف السنوية أمام الكونغرس، وصف وارش التضخم بأنه "عبء غير عادل" بمثابة ضريبة مباشرة على كاهل المواطنين والشركات الأمريكية، مؤكداً التزام الإدارة الجديدة بالقضاء التام على هذا العبء المستمر.
تأتي هذه التصريحات القوية بعد مرور شهرين فقط على تولي وارش منصبه، لترسم ملامح حقبة جديدة تسعى إلى إعادة صياغة السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي ومعالجة الاختلالات الهيكلية المتراكمة منذ عام 2021.
تغيير نهج السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي: لماذا الآن؟
أكد كيفن وارش أمام لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب أن مكافحة التضخم تتطلب أكثر من مجرد تعديلات طفيفة؛ بل تستدعي إعادة نظر شاملة في الممارسات الحالية للبنك المركزي.
وصرح وارش قائلاً:
"لقد كان التضخم بمثابة ضريبة على الشعب والشركات في أمريكا، ونحن نخطط للتخلص من هذه الضريبة. هذا يعني أننا بحاجة إلى تغيير جذري في السياسة، وإلى تقييم جديد للممارسات المتبعة، لنرى ما نجح منها وما فشل".
وتعكس نبرة رئيس الفيدرالي الجديد رغبة واضحة في النأي بالبنك المركزي عن السياسات السابقة التي سمحت للتضخم بالتجاوز المستمر للمستهدف البالغ $2\%$ منذ عام 2021. وبحسب رؤيته، فإن التضخم ليس ظاهرة عشوائية بل هو "خيار" يرتبط مباشرة بمدى فاعلية وقوة الأدوات النقدية المطبقة.
اللجان الخمس: استراتيجية وارش لإعادة هيكلة الفيدرالي
لم تقتصر تصريحات وارش على الجانب النظري، بل كشف عن إطلاق خمس مجموعات عمل (Task Forces) متخصصة تهدف إلى مراجعة وتطوير كافة جوانب عمل الاحتياطي الفيدرالي. وتسعى هذه اللجان إلى تحقيق إصلاحات هيكلية تغطي خمسة أبعاد رئيسية:
الاتصالات النقدية: تطوير آليات تواصل الفيدرالي مع الأسواق لضمان شفافية أكبر.
التكنولوجيا: تحديث البنية الرقمية والتقنية للبنك المركزي.
الميزانية العمومية: مراجعة حجم وأصول الميزانية العمومية وإدارتها بكفاءة.
البيانات الاقتصادية: تحسين جودة ونوعية المؤشرات التي يعتمد عليها الفيدرالي في اتخاذ قراراته.
قياس التضخم: إعادة تقييم الطريقة التي يحلل بها البنك ديناميكيات الأسعار.
وأشار وارش إلى أن هذه اللجان حققت في غضون ستة أسابيع فقط بداية لتحول فكري عميق، معتبراً أن هذه المرحلة تمثل "منعطفاً تاريخياً" يتطلب عملاً حثيثاً لضمان صياغة قرارات نقدية سليمة تتفادى أخطاء الماضي القريب.
نقد صريح لسياسة "استهداف متوسط التضخم المرن"
في تحليل موضوعي للسياسات السابقة، وجه كيفن وارش انتقادات واضحة للنهج الذي تبناه الفيدرالي في عام 2020، والمعروف بإطار "استهداف متوسط التضخم المرن" (Flexible Average Inflation Targeting). وهي السياسة التي سمحت برفع التضخم فوق مستهدف $2\%$ للتعويض عن فترات الركود السابقة ومعالجة فجوات التوظيف.
ويرى وارش أن محاولة معالجة قضايا التوظيف عبر السياسة النقدية تقع خارج النطاق الفعلي لمهام الفيدرالي. وعلق على ذلك قائلاً:
"لم يكن الفيدرالي أول بنك مركزي يطالب بالقليل من التضخم لينتهي به المطاف بالكثير منه. لقد كان ذلك خطأً واضحاً؛ حيث لم ينجح هذا الإطار في تحقيق أهدافه".
وأعرب عن ارتياحه لقيام أسلافه بالتخلي عن هذا الإطار قبل وصوله إلى منصبه، مشدداً على أن الهدف الأسمى والوحيد للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة هو استعادة استقرار الأسعار والوصول بالتضخم إلى مستوياته المستهدفة.
الطفرة الإنتاجية للذكاء الاصطناعي وأثرها على التضخم
على الصعيد الاقتصادي العام، أبدى وارش تفاؤلاً بمرونة الاقتصاد الأمريكي ونموه بمعدلات صلبة رغم التحديات الراهنة. وأشار إلى أن الاستثمارات التجارية تمثل الميزة الأكثر بروزاً في المشهد الحالي، مدفوعة بطلب هائل على بناء مراكز البيانات ومعدات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي (AI).
وتوقع رئيس الفيدرالي أن تساهم ثورة الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في إحداث تأثيرات خافضة للتضخم (Disinflationary) على المدى الطويل، وهي فرضية تثير نقاشاً واسعاً بين الخبراء الاقتصاديين وصناع السياسات. وقال وارش:
"لا نعرف بعد المدى الكامل لاستفادة الاقتصاد من طفرة الذكاء الاصطناعي، ولكن يبدو من الحتمي أن ما نطلق عليه اليوم ’استثمار الذكاء الاصطناعي‘ سيُعرف قريباً بمجرد ’الاستثمار‘ العام".
ختاما تظهر شهادة كيفن وارش أمام الكونغرس ملامح مرحلة انتقالية حاسمة تسعى إلى ترسيخ مصداقية السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي. ورغم الانتقادات اللاذعة التي وجهها سابقاً للسياسات السابقة، فقد أظهر وارش نبرة تصالحية وتقديراً كبيراً لجهود موظفي البنك ومستشاريه الحاليين، مؤكداً تطلعه للعمل معهم كفريق واحد لكتابة "فصل جديد" يعيد التوازن والاستقرار المالي للاقتصاد الأمريكي ويجعل من طفرة التضخم التي شهدتها السنوات الخمس الماضية جزءاً من الماضي.
