أسعار الذهب والنفط تقودان قفزة الأسواق العالمية بعد تباطؤ التضخم الأمريكي وتصاعد توترات مضيق هرمز
شهدت الأسواق المالية العالمية تحولات دراماتيكية متزامنة، حيث قادت أسعار الذهب وأسعار النفط موجة صعود جماعية مدفوعة ببيانات اقتصادية مفاجئة وتصعيد عسكري حاد في منطقة الشرق الأوسط. فقد منحت بيانات التضخم الأمريكي الأقل من المتوقع قبلة الحياة للملاذات الآمنة والأصول عالية المخاطر على حد سواء، في حين فرضت التطورات الجيوسياسية في مضيق هرمز ضغوطاً تصاعدية على أسواق الطاقة العالمية، مما يضع الفيدرالي الأمريكي أمام معادلة معقدة لرسم معالم سياسته النقدية المقبلة.
تباطؤ التضخم الأمريكي ينعش أسعار الذهب ويهدئ مخاوف الفائدة
سجلت أسعار الذهب مكاسب قوية تجاوزت 2%، مدعومة ببيانات التضخم في الولايات المتحدة التي جاءت أضعف من المتوقع لشهر يونيو، مما عزز آمال المستثمرين في أن يتبنى الفيدرالي الأمريكي نبرة أقل تشدداً بشأن أسعار الفائدة.
وبحلول منتصف التعاملات، ارتفع السعر الفوري للذهب بنسبة 1.6% ليصل إلى 4,063.15 دولاراً للأوقية (الأونصة)، بعد أن كان قد هبط في وقت سابق من الجلسة إلى أدنى مستوياته منذ مطلع يوليو. كما ارتفعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة بنسبة 1.6% لتستقر عند 4,070.30 دولاراً.
قراءة في مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي (CPI)
أظهرت البيانات الرسمية تباطؤاً ملحوظاً في معدل التضخم الأمريكي العام خلال الـ 12 شهراً المنتهية في يونيو ليبلغ 3.5%، مقارنة بـ 4.2% في مايو. والأهم من ذلك بالنسبة للأسواق، استقرار التضخم الأساسي (Core CPI) دون تغيير شهرياً، بعدما سجل ارتفاعاً بنسبة 0.2% في الشهر السابق.
دفعت هذه البيانات المتداولين إلى تقليص رهاناتهم بشكل حاد على قيام مجلس الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة في اجتماعه المرتقب نهاية يوليو الجاري. ووفقاً لأداة "CME FedWatch"، تراجعت احتمالات رفع الفائدة في يوليو إلى 12% فقط مقارنة بـ 42% قبل صدور البيانات، مما يعزز جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً في بيئة أسعار فائدة منخفضة.
ولم تقتصر المكاسب على الذهب وحده؛ بل امتدت لتشمل المعادن النفيسة الأخرى:
ارتفع الفضة الفورية بنسبة 2.1% لتصل إلى 58.85 دولاراً للأوقية.
صعد البلاتين بنسبة 1.6% إلى 1,630.12 دولاراً.
قفز البالاديوم بنسبة 4.2% مسجلاً 1,299.10 دولاراً.
تصاعد التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز يلهب أسعار النفط
على الجانب الآخر من المشهد الاقتصادي، ارتفعت أسعار النفط بنحو 2% لتصل إلى أعلى مستوياتها في شهر واحد، نتيجة لإعادة فرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على إيران، وتجدد الاشتباكات العسكرية المباشرة التي تثير مخاوف حقيقية بشأن تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً بقيمة 1.47 دولار، أو ما يعادل 1.8%، لتصل إلى 84.77 دولاراً للبرميل، وهو أعلى إغلاق لها منذ منتصف يونيو. بدوره، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بمقدار 1.26 دولار، أو 1.6%، ليصل إلى 79.40 دولاراً للبرميل.
معركة السيطرة على ممرات الطاقة العالمية
يعتبر مضيق هرمز الشريان الحيوي الأهم لإمدادات الطاقة العالمية، حيث كان يتدفق عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع التوترات الحالية. وتأتي هذه القفزة السعرية عقب تبادل الهجمات الصاروخية بين القوات الأمريكية والإيرانية، وتأكيد طهران إغلاق المضيق، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى فرض حصار على الشحن الإيراني.
ورغم محاولات التهدئة وطمأنة الأسواق بأن المضيق مفتوح لجميع حركة المرور باستثناء السفن الإيرانية، فإن إجلاء طاقم ناقلة نفط تضررت بالقرب من عُمان أعاد إشعال المخاوف من تعطل دائم للإمدادات. ويخشى الخبراء من أن استمرار هذا التصعيد العسكري قد يؤدي إلى بقاء أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول، مما قد يفرز ضغوطاً تضخمية جديدة على مستوى العالم ويبطئ النمو الاقتصادي.
تراجع الدولار واستجابة سريعة للعملات والعملات الرقمية
انعكست هذه التطورات مباشرة على أسواق الصرف الأجنبي والأصول الرقمية:
1. هبوط الدولار وانتعاش العملات الرئيسية
تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.6% ليصل إلى مستوى 100.68. هذا الضعف في العملة الأمريكية جعل المعادن المقومة بالدولار أكثر جاذبية لحاملي العملات الأخرى.
ارتفع اليورو بنسبة 0.66% ليصل إلى 1.1455 دولار.
صعد الجنيه الإسترليني بنسبة 0.53% ليتداول عند 1.3417 دولار.
في المقابل، يظل الين الياباني تحت الضغط بالقرب من أدنى مستوياته في 40 عاماً عند 161.89 للدولار، وسط ترقب الأسواق لتدخل محتمل من السلطات النقدية في طوكيو.
2. بتكوين تتجاوز 64 ألف دولار
تفاعلت الأصول ذات المخاطر العالية إيجابياً وبقوة مع تباطؤ التضخم الأمريكي؛ إذ قفزت عملة البيتكوين (BTC) لتتجاوز مستويات 64,000 دولار بالتزامن مع افتتاح وول ستريت. وتلقى سوق الكريبتو دعماً من التفاؤل العام بأن ذروة التشدد النقدي قد انتهت، على الرغم من حذر المتداولين ومراقبتهم لمستويات المقاومة الفنية الحرجة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة: هل ينجح الفيدرالي في تحقيق "الهبوط الآمن"؟
يقف الفيدرالي الأمريكي حالياً أمام مفترق طرق حرج. فبينما يظهر التضخم الأساسي مؤشرات واضحة على التباطؤ نحو المستهدف البالغ 2% - كما أكد رئيس المجلس كيفين وارش في شهادته أمام الكونجرس - فإن التهديدات الناشئة عن ارتفاع أسعار الطاقة والوقود (مثل الديزل) بسبب التوترات الجيوسياسية قد تعيد تغذية التضخم مجدداً.
إذا استمرت أسعار النفط في مسارها التصاعدي متجاوزة مستويات 90 دولاراً للبرميل، فقد يضطر البنك المركزي الأمريكي إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع كإجراء وقائي، وهو سيناريو قد يحد من استمرار طفرة أسعار الذهب ويكبح جماح الانتعاش الحالي في أسواق الأسهم والعملات الرقمية.
