تقرير الأسواق المالية الأسبوعي: تصاعد التوترات الجيوسياسية يشعل أسعار الطاقة ويضغط على الذهب والعملات الرقمية
تشهد أسواق المال العالمية حالة من الاستقطاب الحاد مع اقتراب إغلاق تداولاتها الأسبوعية، حيث فرضت التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط ظلالها على شهية المخاطرة لدى المستثمرين. وجاء التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران ليعيد تشكيل مشهد التدفقات النقدية، دافعاً أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية جديدة، في حين يواجه الذهب ضغوطاً بيعية رغم جاذبيته التقليدية كملاذ آمن، مدفوعاً بقوة الدولار وتوقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
في هذا النسق، يقدم تقرير الأسواق المالية الأسبوعي تحليلاً معمقاً لأداء الأصول الرئيسية من نفط، وذهب، وعملات أجنبية، وعملات رقمية في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
أسعار النفط تشتعل: مكاسب أسبوعية ضخمة تتجاوز 13%
ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 2% خلال تعاملات يوم الجمعة، مدفوعة بتصاعد حدة الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج العربي، مما يهدد حركة الملاحة البحرية عبر المضائق الحيوية، ولا سيما مع تنامي المخاوف من إغلاق محتمل للبحر الأحمر وتأثر حركة المرور عبر مضيق هرمز.
تحركات العقود الآجلة للنفط
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بمقدار 1.77 دولار، أو ما يعادل 2.1%، لتصل إلى سعر إغلاق مؤقت يبلغ 86 دولاراً للبرميل، لتتجه العقود نحو تسجيل صعود للأسبوع الثالث على التوالي وتحقيق مكاسب أسبوعية ضخمة تقارب 13%.
وفي السياق ذاته، صعدت العقود الآجلة للخام الأمريكي "خام غرب تكساس الوسيط" (WTI) بمقدار 1.91 دولار، أو ما يعادل 2.4%، لتستقر تداولاتها عند 80.86 دولاراً للبرميل، محققة هي الأخرى مكاسب أسبوعية مماثلة بلغت نحو 13% للأسبوع الثاني على التوالي.
أزمة المعروض واختناق الممرات المائية
أشارت تقارير اقتصادية إلى أن انهيار الهدنة بين واشنطن وطهران أدى مباشرة إلى تراجع تدفقات النفط الخارجة من مضيق هرمز. وفي المقابل، تضغط إيران لعرقلة حركة الملاحة في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب في حال استهداف بنيتها التحتية للطاقة من قبل القوات الأمريكية.
وقد انعكس هذا التوتر الجيوسياسي سريعاً على هوامش تكرير الديزل التي سجلت مستويات قياسية جديدة، لاسيما مع ملامسة العقود الآجلة لزيت الغاز منخفض الكبريت حاجز 66.25 دولار فوق سعر خام برنت، مما يشي بتضييق الخناق على أسواق الوقود عالمياً.
سعر الذهب يتراجع عالمياً: أسوأ أسبوع في شهر ونصف
على الرغم من تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي تدعم عادة جاذبية المعادن الثمينة، استقر سعر الذهب الفوري في تعاملات يوم الجمعة لكنه ظل يتجه نحو تسجيل أكبر خسارة أسبوعية له في ستة أسابيع بنسبة تراجع تجاوزت 3%.
العوامل الضاغطة على المعدن الأصفر
يرجع السبب الرئيسي وراء تراجع الذهب إلى قوتين رئيسيتين:
ارتفاع الدولار الأمريكي: الذي يرفع بدوره تكلفة حيازة المعدن للمشترين الأجانب.
مخاوف التضخم العالمي: حيث يؤدي اشتعال أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، مما يغذي التوقعات باستمرار تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة. وتعتبر الفائدة المرتفعة تاريخياً عاملاً سلبياً للذهب الذي لا يدر عائداً دورياً.
مستويات تداول الذهب
استقر الذهب الفوري (Spot Gold) عند مستويات 3,970.35 دولار للأونصة، بالقرب من أدنى مستوياته المسجلة منذ مطلع شهر يوليو. وفي غضون ذلك، تراجعت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم شهر أغسطس بنسبة 0.5% لتصل إلى 3,973.10 دولار للأونصة.
وبوجه عام، خسر المعدن النفيس نحو 25% من قيمته منذ بدء المواجهات العسكرية المدعومة أمريكياً ضد إيران في أواخر فبراير الماضي، وذلك بفعل توقعات بقاء الفائدة مرتفعة لفترات طويلة كأداة لمواجهة تضخم أسعار الطاقة.
أسواق العملات: الدولار يوازن مكاسبه وسط ترقب لسياسات الفيدرالي
حافظ الدولار الأمريكي على استقراره النسبي يوم الجمعة، متجهاً نحو انخفاض أسبوعي طفيف بنسبة 0.2% بضغط من بيانات التضخم الأمريكية الهادئة الصادرة مؤخراً، والتي قلصت احتمالات قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بشكل عاجل. ومع ذلك، ساهم تدفق أموال التحوط الباحثة عن ملاذات آمنة جراء تصعيد الشرق الأوسط في الحد من خسائر العملة الأمريكية.
أداء العملات الرئيسية الأخرى
اليورو (EUR): تراجع بشكل طفيف جداً يوم الجمعة ليتداول عند 1.143 دولار، لكنه يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة بنسبة 0.2%.
الجنيه الإسترليني (GBP): هبط بنسبة 0.3% إلى 1.344 دولار، إلا أنه يتجه لتسجيل مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، مدعوماً بمؤشرات النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة وزيادة اليقين السياسي قبيل تولي آندي بيرنهام منصب رئيس الوزراء رسمياً وتوقعات باختيار وزير مالية يمثل تيار الوسط.
الين الياباني (JPY): استقر الين بالقرب من مستويات 162.33 للدولار، ليظل قريباً من أدنى مستوياته في 40 عاماً (162.84). ولا تزال الأسواق تترقب بحذر تدخلات رسمية محتملة من السلطات النقدية في طوكيو، لاسيما بعد تصريحات وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتياما التي أكدت استعداد الحكومة لاتخاذ إجراءات حاسمة لاستقرار العملة.
العملات الرقمية: بيتكوين تتراجع وسط بيانات اقتصادية مختلطة
امتدت الضغوط البيعية لتطال سوق الأصول الرقمية؛ حيث تراجع سعر عملة بيتكوين (Bitcoin) يوم الجمعة مواصلاً ارتداده التدريجي من أعلى مستوياته الأسبوعية التي ناهزت 65,518 دولار، ليتداول حول مستويات 63,076 دولار ضمن قناة هابطة قصيرة الأجل، عاجزاً عن الحفاظ على المكاسب القوية التي حققها مسبقاً خلال الأسبوع.
تأثير البيانات الاقتصادية الأمريكية
تأثرت تداولات العملات المشفرة بحزمة من البيانات الاقتصادية الأمريكية المتباينة التي صدرت مؤخراً:
الإنتاج الصناعي: جاء دون التوقعات لشهر يونيو محققاً نمواً بنسبة 0.1% مقارنة بالتوقعات البالغة 0.2%.
مؤشرات الإسكان: جاءت تصاريح البناء دون المتوقع مسجلة 1.367 مليون تصريح مقابل توقعات بـ 1.4 مليون، بينما فاقت أعداد المنازل قيد الإنشاء التوقعات لتسجل 1.427 مليون.
طلبات إعانة البطالة: أظهرت متانة سوق العمل الأمريكي بانخفاضها إلى 208 آلاف طلب مقارنة بـ 216 ألفاً في الأسبوع السابق.
مؤشر التصنيع لولاية فيلادلفيا: سجل قراءة قوية جداً بلغت 41.4 نقطة مقابل توقعات بنحو 13 نقطة فقط، مما يشير إلى مرونة ملحوظة في قطاع التصنيع.
النظرة المستقبلية واحتمالات الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي
تشير أداة "CME FedWatch" إلى أن المتداولين يسعرون حالياً فرصة بنسبة 53.3% لرفع أسعار الفائدة الأمريكية في اجتماع شهر سبتمبر المقبل. في المقابل، تراجعت احتمالية الرفع في اجتماع يوليو الحالي إلى 11% فقط مقارنة بـ 25% في الأسبوع الماضي، وذلك عقب هدوء بيانات التضخم لشهر يونيو.
وفي حين أشار نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي فيليب جيفرسون إلى انفتاحه على مناقشة رفع الفائدة إذا لم يطرأ تحسن ملموس على مستويات التضخم على المدى القريب، يرى محللون آخرون أن الفيدرالي قد يفضل الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير طوال ما تبقى من عام 2026. ومع ذلك، تظل القفزة الحالية في أسعار النفط مدعاة للقلق، إذ قد تدفع البنك المركزي للاستمرار في تبني نبرة تشددية حذرة لحماية الاقتصاد من موجات تضخمية ثانوية ناتجة عن صدمة العرض في قطاع الطاقة.
