أسعار الذهب والنفط تحت وطأة التصعيد العسكري: كيف يهدد الصراع الأمريكي الإيراني الأسواق العالمية؟
شهدت الأسواق المالية العالمية يوم الإثنين حالة من الاستقرار الحذر، حيث يعكف المستثمرون على تقييم التداعيات الاقتصادية للتصعيد العسكري المتسارع في الصراع الأمريكي الإيراني. وقد أدى هذا التصعيد إلى زيادة واضحة في أسعار الطاقة، مما ألقى بظلال من الضبابية حول مسار أسعار الفائدة الأمريكية في المرحلة المقبلة.
تتداخل الصدمات الجيوسياسية حالياً مع حسابات التضخم المعقدة، مما يضع أسعار الذهب والنفط في عين العاصفة، ويزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية الكبرى وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
الذهب يستقر وسط ترقب للمخاطر الجيوسياسية وسياسات الفيدرالي
حافظ المعدن الأصفر على توازنه خلال تعاملات يوم الإثنين؛ حيث انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة طفيفة بلغت 0.1% ليصل إلى 4,011.96 دولاراً للأوقية (الأونصة). كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة مماثلة لتستقر عند 4,015.80 دولاراً.
في المقابل، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية القياسية لأجل 10 سنوات بنسبة 0.5%، وصعد الدولار الأمريكي بنسبة 0.1%، مما جعل المعدن النفيس أكثر تكلفة للمشترين في الخارج والمستثمرين المتعاملين بعملات أخرى.
تأثير التضخم وأسعار الفائدة على ملاذ الذهب الآمن
على الرغم من تصاعد حدة التوترات بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني استهداف أصول عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وإعلان جماعة الحوثي اليمنية فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية، إلا أن بريق الذهب كملاذ آمن يواجه ضغوطاً ناجمة عن توقعات السياسة النقدية.
تساهم أسعار الطاقة المرتفعة في إذكاء مخاوف التضخم، مما يدعم التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وبما أن الذهب أصل لا يدر عائداً، فإن بيئة الفائدة المرتفعة تحد من جاذبيته الاستثمارية.
ويرى الخبراء في أسواق المعادن أن تركيز الأسواق يظل منصباً على أسعار الطاقة المرتفعة؛ إذ يعزز تجدد التوترات في الشرق الأوسط المخاوف من أن بيانات التضخم الأخيرة -والتي جاءت أبرد من المتوقع الأسبوع الماضي- قد لا تكون كافية لثني الفيدرالي الأمريكي عن رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.
وتشير أداة "سي إم إي فيد ووتش" (CME FedWatch) إلى أن المتداولين يسعرون حالياً فرصة بنسبة 83% لقيام الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في ديسمبر المقبل، مقارنة بنسبة 73% في الأسبوع الماضي. ومع ذلك، هناك توقعات بأن يتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى تعديل ميزانيته العمومية وتأجيل رفع الفائدة إلى وقت متأخر جداً من هذا العام، وهو ما قد يدعم أسواق الذهب ويضغط على الدولار لاحقاً.
أسعار النفط تتماسك مع تصاعد التهديدات البحرية في مضيق هرمز
استقرت أسعار النفط يوم الإثنين، متراجعة عن مكاسبها المبكرة بعد أن واجهت الضغوط السعرية الناتجة عن آمال استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية مخاوف جادة أثارها إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على موانئ التصدير البديلة في المنطقة.
وكانت أسعار النفط القياسية قد لامست في وقت سابق أعلى مستوياتها في أكثر من شهر بسبب المخاوف من تعطل الشحنات عبر مضيق هرمز الحيوي:
خام برنت: تراجع بمقدار 6 سنتات (حوالي 0.1%) ليسجل 88.04 دولاراً للبرميل، بعد أن لامس في وقت سابق 91.42 دولاراً، وهو أعلى مستوى له منذ 11 يونيو.
خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI): تراجع بمقدار سنتين (حوالي 0.2%) ليستقر عند 82.29 دولاراً للبرميل، بعد أن سجل في وقت سابق أعلى مستوى له منذ 12 يونيو عند 85.39 دولاراً.
تراجع حركة ناقلات النفط والمخاطر اللوجستية
أثار انهيار الهدنة غير المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران مخاوف متجددة بشأن إمدادات الطاقة التي تعبر مضيق هرمز، والذي كان يتدفق عبره تاريخياً نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وتظهر البيانات اللوجستية تراجع عدد السفن التي عبرت المضيق بشكل حاد، بالتزامن مع تقارير عن تعرض ناقلات نفط لهجمات وإصابات قبالة سواحل عمان.
وتحاول أطراف دولية تمرير مقترحات لتهدئة الصراع تشمل وقفاً لإطلاق النار لمدة 10 أيام لبحث سبل إحياء الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي، إلا أن الأسواق تترقب بحذر مدى قدرة الأطراف على تفعيل التهدئة.
أسواق العملات العالمية والتحولات السياسية في بريطانيا
على صعيد العملات، ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.17% ليصل إلى 100.91 نقطة، في حين انخفض اليورو بنسبة 0.23% ليتداول عند 1.1413 دولار.
وفي المملكة المتحدة، انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة طفيفة بلغت 0.04% ليصل إلى 1.3448 دولار بعد أن سجل في وقت سابق مستوى 1.3481 دولار. ويأتي هذا التراجع الطفيف مع تولي رئيس الوزراء البريطاني الجديد "آندي بيرنهام" مهام منصبه متعهداً بتقديم نموذج اقتصادي جديد للبلاد. وتترقب الأسواق المالية الإعلان عن اسم وزير المالية الجديد (المستشار)، مع ترجيحات قوية تشير إلى اختيار "شبانا محمود" كشخصية وسطية تحظى بقبول الأسواق لتولي هذا الملف المالي المعقد.
وفي آسيا، استقر اليوان الصيني في الأسواق الخارجية بعد إبقاء الصين على أسعار الفائدة القياسية للإقراض دون تغيير للشهر الرابع عشر على التوالي، بينما شهد الين الياباني تداولات ضعيفة بسبب عطلة رسمية في اليابان (يوم البحر).
العملات الرقمية: حيتان البيتكوين يواصلون التجميع رغم التذبذب
رغم الضبابية التي تسيطر على الأسواق التقليدية، أظهرت سوق العملات الرقمية بعض الإشارات الإيجابية؛ حيث استعادت عملة بيتكوين (Bitcoin) زخمها مؤخراً واختبرت مستوى الدعم النفسي المهم عند 65,000 دولار لأول مرة منذ خمسة أيام، قبل أن تتراجع قليلاً لتتداول حول 64,100 دولار نتيجة عمليات جني الأرباح.
وعلى الرغم من تباين المؤشرات الفنية، كشفت البيانات الفورية لسلاسل الكتل (On-chain data) أن كبار المستثمرين ("الحيتان") استغلوا فترات الهبوط لتجميع كميات ضخمة بلغت نحو 66,700 وحدة بيتكوين، مما يشير إلى بناء أرضية سعرية قوية قد تمهد الطريق لمحاولة اختراق مستويات أعلى في المدى القريب.
ختاما تستمر العلاقة الوثيقة بين أسعار الذهب والنفط في رسم ملامح المشهد الاستثماري الحالي. فبينما يدفع التصعيد العسكري في الشرق الأوسط أسعار النفط نحو الأعلى ويزيد من الضغوط التضخمية العالمية، تظل أسعار الذهب محاصرة بين دورها كملاذ آمن تقليدي وبين شبح أسعار الفائدة المرتفعة التي يفرضها مجلس الاحتياطي الفيدرالي لمكافحة هذا التضخم. ستبقى أعين المستثمرين معلقة بمدى نجاح الجهود الدبلوماسية في خفض حدة التوترات البحرية، وبقرار الفيدرالي المرتقب في اجتماعاته القادمة.
