تراجع أسعار الذهب وسط تصاعد توترات الشرق الأوسط وارتفاع قياسي لأسعار النفط
شهدت الأسواق المالية العالمية تحولات حادة، حيث تراجعت أسعار الذهب بأكثر من 2%، متخلية عن أعلى مستوياتها في أسبوعين التي سجلتها في الجلسة السابقة. وتأتي هذه التراجعات نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بفعل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف جديدة بشأن التضخم وعزز التوقعات باتخاذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خطوات أكثر شدة بشأن رفع أسعار الفائدة خلال العام الحالي.
خسائر الذهب: كيف ضغطت السندات والدولار على المعدن الأصفر؟
هبط السعر الفوري لـ أسعار الذهب بنسبة 2.1% ليصل إلى 4,041.59 دولاراً للأونصة، بعد أن كان قد سجل أعلى مستوى له منذ 7 يوليو في التداولات السابقة. كما انخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 2.6% لتبلغ 4,043.50 دولاراً.
وتأثر المعدن النفيس بشكل مباشر بالصعود القوي لعملة الولايات المتحدة، حيث ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.3% ليصل إلى مستوى 101.3، وهو أعلى مستوى له في ثلاثة أسابيع. وجعل هذا الارتفاع المعدن المالي المقوم بالدولار أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين حائزي العملات الأخرى.
في الوقت نفسه، قفزت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بأكثر من 1% لتسجل أعلى مستوياتها في أكثر من عام. وتُعد العوائد مرتفعة المنسوب العائق الأول أمام ارتفاعات الذهب والفضة؛ نظراً لأن المعادن النفيسة أصول لا تدر عائداً ثابتاً، مما يقلل من جاذبيتها الاستثمارية مقارنة وأدوات الدين الحكومية.
اشتعال أسعار النفط وحرب الملاحة في المضايق البحرية
في المقابل، ارتفعت أسعار النفط الخام إلى أعلى مستوياتها في نحو شهرين، مستمرة في الصعود لليوم الخامس على التوالي. وجاء هذا الارتفاع عقب إعلان جماعة الحوثي في اليمن عن استهداف ناقلتي نفط سعوديتين، مما أثار مخاوف واسعة النطاق من توسع اضطرابات إمدادات الطاقة العالمية لتشمل كلاً من البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز.
وفي هذا السياق، صعد سعر خام برنت القياسي بنسبة 6.2% ليصل إلى 99.90 دولاراً للبرميل، بعدما لامس حاجز 100.00 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أواخر مايو. كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 5.08% ليصل إلى 91.24 دولاراً للبرميل، متجاوزاً مستوى 90 دولاراً لأول مرة منذ 11 يونيو.
وقد أدت هذه التطورات الجيوسياسية المتلاحقة إلى فرض ضغوط شديدة على الاقتصاد العالمي:
- التهديدات البحرية: أعلنت قوات الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الناقلات غير المنسقة، متزامناً ذلك مع رد عسكري أمريكي متواصل واستمرار ضربات على مواقع إيرانية.
- توقعات المؤسسات المالية: رجح بنك "جولدمان ساكس" (Goldman Sachs) أن يتجاوز سعر خام برنت 120 دولاراً للبرميل خلال الربع الرابع، مع متوسط يصل إلى 100 دولار العام المقبل إذا استمر تعطل مضيق هرمز، مع امكانية الصعود لآفاق أعلى في حال استمرار اضطرابات باب المندب وقناة السويس.
- أزمة المشتقات: سجل هامش الديزل الأوروبي قياساً تاريخياً بلغ 66.25 دولاراً للبرميل، مدعوماً بحظر الصادرات الروسية والمخاوف المتزايدة بشأن الإمدادات الشرق أوسطية.
توقعات الفيدرالي الأمريكي وسياسة "الفائدة المرتفعة لفترة أطول"
يُلقي الارتفاع الصاروخي لأسعار الطاقة بظلاله على التضخم العالمي، مما يعزز الفرضيات بأن البنوك المركزية لن تكون قادرة على الخفض المخطط لأسعار الفائدة. وتترقب الأسواق حالياً اجتماع لجنة السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي والتصريحات المرتقبة لرئيس المجلس كوين وارش (Kevin Warsh).
وفقاً لأداة "CME FedWatch":
- بلغت احتمالية رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر نحو 80%، مقارنة بـ 68% في اليوم السابق.
- زادت احتمالات تشديد السياسة النقدية في الاجتماع الوشيك إلى أكثر من 33%.
ويرى مراقبو الأسواق أن النهج الصارم للمجلس الفيدرالي لمنع تفشي موجة تضخمية جديدة هو العامل الأبرز الذي يكبح تعافي أسعار الذهب في الوقت الراهن.
ضغوط الدين الحكومي وتوسيع إصدارات الخزانة الأمريكية
تزامناً مع التطورات النقدية، زادت وزارة الخزانة الأمريكية من حجم إصداراتها من أذون الخزانة قصيرة الأجل لتلبية متطلبات الاقتراض الحكومي المرتفعة. ورغم وجود إقبال كبير من صناديق أسواق المال على هذه الأذون، إلا أن الاعتماد المكثف على التمويل قصير الأجل أثار جدلاً واسعاً بين الخبراء حول المخاطر الهيكلية للجوء المفرط لأدوات الدين القريبة، في ظل اتساع العجز الفيدرالي وارتفاع تكلفة خدمة الدين.
يبقى الاتجاه العام لـ أسعار الذهب والأسواق المالية مرهوناً بالصدمات المزدوجة:
- السيناريو الأول (استمرار التصعيد): في حال استمرار تعطل طرق الملاحة الرئيسية وارتفاع النفط لما فوق 100 دولار، سيتواصل الضغط التضخمي، مما يدفع الفيدرالي للإبقاء على الفائدة مرتفعة، وبالتالي الحد من مكاسب الذهب على المدى القريب.
- السيناريو الثاني (التهدئة أو التلميح بالتيسير): إذا أظهر الفيدرالي نبرة أقل تشدداً في اجتماعه المقبل، أو حدث انفراج في أزمة الملاحة، قد تستعيد أسعار الذهب زخمها كملجأ آمن ضد المخاطر الاستثمارية والسياسية.
