قفزة للذهب وللملاذات الآمنة وسط تحولات الفائدة والتوترات الجيوسياسية
شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من التذبذب الحاد والمرتفع، حيث قفزت أسعار الذهب والنفط بالتزامن مع كشف البيانات الاقتصادية والتطورات الجيوسياسية عن مشهد معقد يجمع بين آمال تهدئة الصراعات في الشرق الأوسط وتراجع مخاوف التضخم من جهة، وتجدد المخاطر التشغيلية على خطوط الإمداد من جهة أخرى.
الذهب يتألق عند أعلى مستوى في شهر: ما دور الفيدرالي والتهدئة الجيوسياسية؟
سجلت أسواق المعادن النفيسة مكاسب ملحوظة؛ إذ ارتفع السعر الفوري للذهب بنسبة 2.2% ليصل إلى 4,164.13 دولار للأونصة، وهو أعلى مستوى له منذ 7 يوليو. كما صعدت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة بنسبة 1.7% لتستقر عند 4,223.60 دولار.
جاءت هذه الارتفاعات مدعومة بالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إجراء "محادثات إيجابية للغاية" بشأن النزاع مع إيران، مما عزز التوقعات بقرب التوصل إلى اتفاق لإيقاف إطلاق النار في الخليج. انعكست هذه التطورات على الأسواق بالشكل التالي:
تراجع عوائد السندات: انخفضت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوياتها في أسبوع نتيجة انحسار مخاوف التضخم.
ضعف الدولار الأمريكي: استمرت الضغوط السلبية على العملة الأمريكية، مما جعل المعادن المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين من حائزي العملات الأخرى.
زيادة جاذبية الأصول دون عائد: تسبب تراجع العوائد في رفع القيمة الاستثمارية للذهب مقارنة بالأصول الأدوات الماليّة الاخرى.
توقعات مسار الفائدة الأمريكية وتقارير الوظائف المرتقبة
تشير أداة CME FedWatch إلى هبوط احتمال رفع أسعار الفائدة الأمريكية في اجتماع سبتمبر إلى 59% مقارنة بنسبة 67% المنسوبة لليوم السابق. ورغم ذلك، صرح جيف شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، بأن تشديد السياسة النقدية ما زال ضرورياً لإعادة التضخم إلى المستهدف المحدد عند 2%.
ويرى بعض المحللين أن استعادة الفيدرالي لمصداقيته من خلال رفع الفائدة خلال الأشهر المقبلة قد يضغط على المعدن الأصفر ليتراجع ويستقر تحت مستوى 4,000 دولار للأونصة قبل نهاية العام الجاري. وتترقب الأسواق حالياً صدور تقرير الوظائف عن مؤسسة (ADP) وتقرير الوظائف غير الزراعية لشهر يوليو للوقوف على الاتجاه القادم.
أداء المعادن النفيسة الأخرى:
الفضة: ارتفعت بنسبة 3.3% لتسجل 61.49 دولار للأونصة، وهو أعلى مستوى منذ 7 يوليو.
البلاتين: صعد بنسبة 1.1% إلى 1,753.84 دولار بعد أن بلغ أعلى مستوى له منذ منتصف يونيو.
البلاديوم: سجل نمواً بنسبة 1.6% ليبلغ 1,375.15 دولار، ملامساً أعلى مستوياته في شهرين.
أسعار النفط ترتد صاعدة: استهداف ناقلة سعودية يعيد المخاوف بشأن الإمدادات
على صعيد الطاقة، شهدت أسعار الذهب والنفط تعافياً ملحوظاً بعد موجة من التراجعات؛ حيث ارتفعت أسعار النفط الخام عقب إعلان جماعة الحوثي في اليمن استهداف ناقلة نفط سعودية قبالة ميناء ينبع بالبحر الأحمر، ما أثر سلباً على آمال الانفراج الجيوسياسي وتدفقات شحنات الطاقة.
التداولات والمستويات السعرية:
خام برنت: ارتفع بمقدار 1.07 دولار أو بنسبة 1.35% ليصل إلى 80.43 دولار للبرميل.
خام غرب تكساس الوسيط (WTI): صعد بمقدار 45 سنتاً أو بنسبة 0.59% ليتداول عند 76.22 دولار للبرميل.
يأتي هذا الارتفاع بعد أن هبطت الأسعار بنسبة 5% مستهيرةً بجهود الوساطة القطرية، حيث أغلق خام برنت دون مستوى 80 دولاراً لأول مرة منذ 13 يوليو. ولكن التصعيد في البحر الأحمر وأنباء استهداف الناقلة أعادت تقييم المخاطر التشغيلية ومخاوف انقطاع الإمدادات عبر الممرات المائية الحيوية، لا سيما مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إجمالي النفط والغاز الطبيعي المسال العالمي.
البيانات المخزونية الأمريكية
أظهرت تقارير معهد البترول الأمريكي (API) ارتفاعاً في مخزونات النفط الخام بمقدار 2.7 مليون برميل للأسبوع المنتهي في 31 يوليو، إلى جانب زيادة مخزونات البنزين وتراجع مخزونات المقطرات، ما أضاف بعداً آخر لمحددات العرض والطلب في السوق.
سوق العملات: الين الياباني يستقر عقب تدخلات رسمية وتعهدات أمريكية
شهد الين الياباني حالة من الاستقرار النسبي عند 157.72 ين للدولار عقب تذبذبات حادة، بعد تراجعه بنسبة 0.4%، متجاوزاً أدنى مستوياته السابقة عند 164 ين للدولار (والتي كانت الأدنى منذ 40 عاماً).
جاء هذا الاستقرار بعد تدخلات مشتركة غير مسبوقة بين السلطات المالية في طوكيو وواشنطن لشراء الين، بالإضافة إلى تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت التي أكد فيها اتخاذ "كل ما يلزم" لدعم استقرار العملة اليابانية، في موقف يُعيد إلى الأذهان التعهدات التاريخية لحماية الأسواق من الأزمات الهيكلية.
ختاما تستمر أسعار الذهب والنفط في التحرك بناءً على معادلة ثلاثية الأبعاد تجمع بين:
التطورات الميدانية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على حركة التجارة البحرية.
المسار المستقبلي لأسعار الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وسوق العمل.
استقرار سوق العملات والتدخلات الدولية لضبط مستويات الصرف.
يبقى الترقب هو السمة الغالبة على سلوك المستثمرين في انتظار البيانات الاقتصادية الرسمية لتحديد مستويات الدعم والمقاومة القادمة لكلا القطاعين.
