النفط يعيد مخاوف التضخم… والأسواق تنتظر حكم الوظائف الأمريكية
ارتفعت أسعار النفط وتراجعت السندات خلال الجلسة الآسيوية، بعدما اتضح أن المقترحات الخاصة بمضيق هرمز لا تعني عودة الملاحة إلى طبيعتها، بل قد تؤدي إلى ممر مشروط تفرض عليه قيود ورسوم.
دفع ذلك خام برنت إلى الاقتراب من 84 دولارًا، وأعاد مخاوف التضخم إلى السوق، فارتفعت العوائد وحصل الدولار على دعم إضافي قبل تقرير الوظائف الأمريكي.
الصورة الحالية ليست موجة عزوف حادة عن المخاطرة؛ فالأسهم تراجعت بصورة محدودة والعقود الأمريكية استقرت. لكنها تعكس توقف المستثمرين عن مطاردة القمم قبل حدث قادر على تغيير توقعات الفائدة خلال سبتمبر.
محاسبة السيناريو السابق
تحقق سيناريو الأمس جزئيًا، بينما تفعّل شرط إبطاله في سوق النفط.
استمرت الضغوط على أسهم الرقائق والسوق الكورية، وتماسكت المؤشرات الأوسع نسبيًا، كما ظل الذهب مدعومًا.
لكن توقع بقاء خام برنت دون 80 دولارًا لم يتحقق، بعدما ظهرت عقبات جديدة أمام إعادة فتح مضيق هرمز. وهذا هو تحديدًا الخطر الذي وضعناه لإبطال السيناريو: تعثر التفاهمات بما يدفع النفط إلى الارتفاع سريعًا.
النتيجة كانت صعود برنت فوق 83 دولارًا، وارتفاع عوائد السندات، واستعادة الدولار جزءًا من قوته.
المحرك: ممر مشروط وليس عودة طبيعية للملاحة
ارتفع خام برنت بنسبة 1.6% إلى نحو 83.80 دولارًا للبرميل، بعدما حقق مكاسب تجاوزت ثلاثة دولارات خلال الجلسة الأمريكية.
المشكلة لم تعد تتعلق فقط بتأخر توقيع الاتفاق، بل بطبيعة الترتيبات المقترحة.
تدرس إيران مشروعًا قد يمنع السفن الأمريكية والإسرائيلية وغيرها من السفن المصنفة «معادية» من المرور عبر المضيق، مع فرض غرامات قد تصل إلى 20% من قيمة الشحنة على المخالفين.
كما تتضمن المناقشات فرض رسوم على العبور، في وقت ترفض فيه واشنطن دفع أي رسوم أو منح طهران سلطة فعلية على حركة السفن.
لذلك لم يعد السوق يسعّر عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي، بل ممرًا محدودًا ومشروطًا يظل معرضًا للتعطل بسبب العقوبات والتأمين والخلافات السياسية.
وزادت هجمات الحوثيين والتهديدات المحيطة بالسعودية من حساسية أسعار الطاقة، رغم استمرار خام برنت في تسجيل خسارة أسبوعية بعد الهبوط القوي الذي شهده في بداية الأسبوع.
من النفط إلى الفائدة
ارتفاع النفط لا يؤثر في شركات الطاقة فقط، بل ينتقل إلى توقعات التضخم ثم إلى مسار الفائدة والعوائد.
أدت عودة خام برنت فوق 83 دولارًا إلى تراجع أسعار السندات، واستقر عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات قرب 4.68% بعد ارتفاعه خلال الجلسة الأمريكية.
كما تراجعت السندات الحكومية في اليابان وأستراليا ونيوزيلندا، ما يؤكد أن الضغط لم يكن أمريكيًا فقط، بل إعادة تسعير أوسع لمخاطر التضخم العالمي.
والنقطة المهمة أن بيانات الإنتاجية الأمريكية الصادرة أمس لم تكن تضخمية في حد ذاتها.
ارتفعت الإنتاجية بنسبة سنوية فصلية بلغت 1.4%، متجاوزة التوقعات، بينما زادت تكلفة وحدة العمل بنسبة 1.3% فقط. هذه الأرقام تساعد نظريًا في احتواء التضخم، لأن الشركات تنتج كمية أكبر بتكلفة عمل أقل لكل وحدة.
لذلك، فإن صعود العوائد جاء أساسًا من ارتفاع النفط، واستمرار قوة سوق العمل، وتوقعات إبقاء الفائدة مرتفعة، وليس من بيانات تكاليف العمل.
الأثر في الأسواق
النفط: ارتفع خام برنت بنسبة 1.6% إلى نحو 83.80 دولارًا، مع تراجع التفاؤل باتفاق سريع يعيد فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية.
السندات: تراجعت سندات الخزانة، واستقر عائد العشر سنوات قرب 4.68% مع عودة مخاوف التضخم المرتبطة بالطاقة.
الدولار: ارتفع أمام معظم عملات مجموعة العشر، مستفيدًا من صعود العوائد والطلب الدفاعي المرتبط بتجدد الشكوك حول التهدئة مع إيران.
الين: استقر الدولار قرب 158.40 ين، بعدما وصل إلى 155.23 في بداية الأسبوع. وبذلك فقد الين نحو نصف المكاسب التي حققها عقب التدخل الأمريكي الياباني.
الأسهم الآسيوية: تراجعت بنحو 0.2%، بينما هبطت الأسهم الكورية بحوالي 1% مع استمرار الضغوط على شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي.
الأسهم الأمريكية: استقرت العقود الآجلة بعد تراجع S&P 500 للجلسة الثانية، عقب تسجيله مستوى قياسيًا في وقت سابق من الأسبوع.
الأسهم الأوروبية: أشارت العقود إلى افتتاح منخفض بصورة محدودة، بعد إغلاق المؤشرات الأوروبية عند مستوى قياسي.
الذهب: ارتفع بنحو 0.7% إلى قرابة 4,268 دولارًا للأونصة، رغم صعود الدولار والعوائد. وهذا يشير إلى أن الطلب على التحوط من مخاطر الشرق الأوسط تغلب مؤقتًا على تأثير ارتفاع العوائد.
هل تغير شيء؟
نعم. تغير المحرك الرئيسي للسوق خلال أربع وعشرين ساعة.
كانت ضغوط الأمس ناتجة أساسًا عن ارتفاع تقييمات شركات الرقائق وعدم قدرة النتائج القوية على تجاوز توقعات المستثمرين.
أما اليوم، فقد انتقل التركيز إلى النفط والتضخم ومسار الفائدة الأمريكية.
لكن تراجع الأسهم ما زال محدودًا، ما يعني أن السوق لا يسعّر حتى الآن موجة تضخم جديدة أو انهيارًا في شهية المخاطرة، بل ينتظر تقرير الوظائف قبل اتخاذ اتجاه أكثر وضوحًا.
تقرير الوظائف الأمريكية
15:30 بتوقيت القاهرة — تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر يوليو
تتوقع الأسواق إضافة الاقتصاد الأمريكي نحو 80 ألف وظيفة، مقابل 57 ألفًا في يونيو، مع استقرار معدل البطالة عند 4.2%.
كما يُتوقع ارتفاع متوسط الأجور بنسبة 0.3% شهريًا و3.5% سنويًا.
لكن رقم الوظائف الرئيسي لن يكون العنصر الوحيد المهم. سيراقب السوق أيضًا:
- مراجعات أرقام مايو ويونيو.
- معدل المشاركة في قوة العمل.
- متوسط الأجور وساعات العمل.
- توزيع الوظائف بين الرعاية الصحية والترفيه والصناعة.
- ما إذا كان انخفاض البطالة ناتجًا عن زيادة التوظيف أم خروج أشخاص من قوة العمل.
كما أن إضافة 80 ألف وظيفة لا تعني بالضرورة ضعفًا حادًا؛ فتقديرات عدد الوظائف اللازمة لمواكبة نمو السكان في سن العمل انخفضت إلى ما بين 20 و50 ألف وظيفة شهريًا نتيجة تباطؤ نمو قوة العمل.
سيناريوهات البيانات
بيانات أقوى من المتوقع: إضافة أكثر من 120 ألف وظيفة مع نمو قوي للأجور واستقرار البطالة أو انخفاضها ستدعم توقعات رفع الفائدة في سبتمبر. يرجح عندها صعود الدولار والعوائد، مع ضغوط على الذهب وأسهم التكنولوجيا وارتفاع الدولار أمام الين.
نتيجة قريبة من التوقعات: إضافة ما بين 60 و100 ألف وظيفة، وبطالة عند 4.2% وأجور شهرية عند 0.3%، ستُبقي رفع الفائدة مطروحًا دون حسمه. وقد يعود النفط والتطورات الجيوسياسية إلى قيادة السوق.
بيانات ضعيفة: إضافة أقل من 50 ألف وظيفة، أو ارتفاع البطالة إلى 4.3%، أو مراجعات هبوطية كبيرة للأشهر السابقة، ستضغط على الدولار والعوائد وتدعم الذهب. وقد تستفيد الأسهم في البداية من تراجع توقعات الفائدة، قبل أن تظهر مخاوف تباطؤ الاقتصاد إذا كان الضعف حادًا.
السيناريو الأساسي
السيناريو الأساسي هو بقاء التقلبات محدودة قبل بيانات الوظائف، مع استمرار دعم الدولار والعوائد طالما ظل خام برنت فوق 80 دولارًا.
نتيجة وظائف قريبة من التوقعات ستُبقي احتمال رفع الفائدة خلال سبتمبر قائمًا، خصوصًا مع استمرار التضخم وعودة مخاطر الطاقة.
ما الذي يبطل هذا السيناريو؟
- تقرير وظائف ضعيف مصحوب بمراجعات هبوطية كبيرة.
- اتفاق واضح يعيد الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز من دون قيود أو رسوم.
- عودة خام برنت سريعًا دون 80 دولارًا.
- انخفاض العوائد رغم نتيجة وظائف قوية، بما يشير إلى أن السوق سبق وسعّر التشدد بالفعل.
العنوان الحقيقي للجلسة ليس انتظار رقم الوظائف فقط، بل صراع بين سوق عمل ما زال متماسكًا ونفط يعيد مخاطر التضخم إلى الواجهة. تقرير اليوم سيحدد أي المحركين سيقود تسعير الفائدة بعد ذلك.
