أسعار الذهب والنفط بين نار الجيوسياسات وضغوط الفائدة الأمريكية: تحليل أساسي شامل
تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من Re-pricing (إعادة التسعير) المعقدة، حيث تتقاطع الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط مع مخاوف تجدد الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة. وقد أسفر هذا المزيج عن سلوك متباين بين السلع الأساسية؛ ففي الوقت الذي قفزت فيه أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر، تراجعت أسعار الذهب عن ذروتها الفائقة جراء ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتصاعد احتمالات قيام المجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة.
1. قفزة أسعار النفط: اختناقات مضيق هرمز وتصاعد مخاطر الإمدادات
شهدت أسواق الطاقة اشتعالاً ملحوظاً، حيث صعدت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.38%(أي ما يعادل 2.09دولار) لتبلغ 89.81دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بنسبة 2.62%(2.15دولار) ليغلق عند 84.28دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى لكلا الخامين منذ شهر يوليو.
أسباب الارتفاع والتعقد الجيوسياسي:
تعثر الشروط السلمية: أدى رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شروط إيران لإبرام اتفاق سلام—بالمطالبة بدفع تعويضات مالية عن ضحايا الحروب والاضطرابات—إلى تبدد آمال الحل الدبلوماسي الوشيك، مما عقد جهود إعادة فتح مضيق هرمز وتخليصه من الألغام البحرية.
شح حركة الملاحة: أظهرت بيانات الملاحة البحرية انخفاض حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى 6سفن فقط يومياً، مقارنة بمتوسط 10أيام البالغ 11سفينة. كما أشار تحليل بنك "باركليز" إلى أن صافي صادرات الخام والمشتقات عبر المضيق انخفض إلى 3ملايين برميل يومياً فقط في الأسبوع المنتهي في 7أغسطس، مقارنة بـ 4.4مليون برميل في الأسبوع السابق.
اضطرابات باب المندب وتعطل المصافي: تسببت الهجمات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب على سفن الشحن التجارية في استمرار ارتفاع تكاليف التأمين البحري وإجبار السفن على اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة. وعلى صعيد الإمدادات المحلية، أعلنت شركة "أرامكو السعودية" تأجيل إعادة تشغيل مصفاة جازان (بسعة 400,000برميل يومياً) حتى 30أغسطس عقب استهدافها.
التوترات الدولية الأخرى: امتدت الضغوط على معروض الطاقة العالمي بعد استهداف الجيش أوكراني لمصفاة نفط في مدينة أورسك الروسية، مما يؤكد أن قيود الإمدادات أضحت ظاهرة عالمية وليست إقليمية فحسب.
2. أسعار الذهب تتراجع: عوائد السندات تلتهم مكاسب المعدن الأصفر
على الرغم من أن الذهب يمثل الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات الجيوسياسية، إلا أن العلاقة العكسية مع عوائد السندات والتوقعات التضخمية فرضت كلمة النهاية على موجة الصعود الأخيرة.
فبعد أن سجل الذهب في المعاملات الفورية أعلى مستوى له منذ أكثر من شهرين عند 4,434.84دولار للأونصة، انخفض بنسبة 0.4%ليتداول عند 4,371.92دولار للأونصة. وفي المقابل، سجلت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة ارتفعاً طفيفاً بنسبة 0.3%لتستقر عند 4,430.80دولار.
لماذا تراجع الذهب رغم المخاطر الجيوسياسية؟
ارتفاع عوائد سندات الخزانة: أدى قفز أسعار النفط إلى إحياء المخاوف من موجة تضخم جديدة. ونتيجة لذلك، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10سنوات إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع عند 4.34%.
تكلفة الفرصة البديلة: يُعد الذهب أصلاً لا يدر عائداً ثابتاً؛ وبالتالي فإن ارتفاع عوائد السندات يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالسبائك الذهبية مقارنة بالأصول الأدوات المالية الذاتية العائد.
3. توقعات السياسة النقدية: سيناريو رفع الفائدة الفيدرالية يعود للواجهة
تحولت بوصلة المتداولين نحو اجتماع المجلس الاحتياطي الفيدرالي القادم، حيث أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى إعادة تقييم مسار الفائدة.
تغير احتمالات الفائدة: أظهرت أداة (CME FedWatch) أن الأسواق باتت تسعر احتمالاً بنسبة 52%لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25نقطة أساس في اجتماع سبتمبر، ارتفاعاً من 44%يوم الاثنين.
تصريحات مسؤولي الفيدرالي: أكدت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، "بيث هاماك"، أن الوقت أضحى مناسباً البدء في رفع أسعار الفائدة تدريجياً لتجنب الحاجة إلى زيادات أكثر حدة لاحقاً إذا ما تكرست الضغوط التضخمية.
ترقب بيانات التضخم الرئيسية: تتجه أنظار الأسواق بنهاية الأسبوع نحو صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ومؤشر أسعار المنتجين (PPI). ومن شأن أي قراءة أعلى من المتوقع للذكاء التضخمي أن تدعم فرصة رفع الفائدة، مما قد يضغط مجدداً على أسعار الذهب ويدعم الدولار.
4. أسواق العملات والأصول المشفرة: استقرار الدولار وتماسك البيتكوين
تفاعلت بقية الأسواق المالية مع هذه التطورات بنوع من الحذر والانتظار:
مؤشر الدولار الأمريكي (DXY): حافظ الدولار على استقراره الإيجابي قرب مستوى 99.84نقطة، مدعوماً بزيادة عوائد السندات.
العملات الرئيسية: تداول اليورو عند 1.1537دولار والاسترليني عند 1.3499دولار دون تغييرات جوهرية. أما اليوان الصيني، فقد استقر بالقرب من أعلى مستوياته في 3.5سنوات عند 6.7484أوفشور و 6.7468أونشور.
البيتكوين (Bitcoin): يتداول البيتكوين حول مستويات 63,930.05دولار متراجعاً بنسبة طفيفة 0.36%. وتتحرك العملة المشفرة الأكبر في نطاق تجميعي ضيق تعكس حالة الهدوء التي تسبق الانفجار السعري (Breakout) أو حالة الاستنزاف الفني بانتظار وضوح الرؤية بشأن السيولة العالمية.
الخلاصة والتوقعات المستقبلية
تعتمد بوصلة أسعار الذهب والنفط في الفترة القادمة على الموازنة بين مدى استمرار تعطل الملاحة في المضايق البحرية الحيوية من جهة، وبين قراءات التضخم الأمريكية (CPI) من جهة أخرى:
النفط: ينطوي على مخاطر صعودية مستمرة ما دامت تدفقات مضيق هرمز وباب المندب مقيدة وتكاليف الشحن مرتفعة.
الذهب: يواجه نطاقاً تداولياً حرجاً بين مستويات الدعم عند 4,350دولار ومستويات المقاومة عند 4,435دولار؛ واختراق أي من هذين المستويين يتوقف على نبرة الفيدرالي وبيانات التضخم المقبلة.
