عوائد السندات الأمريكية أمام معضلة معقدة: صراع الأولويات بين ترامب والسياسة النقدية
شهدت أسواق الدين السيادي العالمية تحولات حادة مع قفز عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة منذ سنوات. هذا الارتفاع المتسارع لم يكن مجرد حركة سعرية عابرة في الأسواق المالية، بل سلّط الضوء على معضلة جوهرية في قلب الرؤية الاقتصادية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، وهي معضلة يتضح أنه لن يكون من السهل حلها دون تكلفة اقتصادية أو سياسية باهظة.
تتلخص هذه المعضلة في تضارب الأولويات؛ فبينما يركز الرئيس دونالد ترامب بشكل متواصل على ضرورة خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة الرئيسي لدعم النمو وخفض تكاليف الاقتراض قصير الأجل، يركز وزير الخزانة سكوت بيسنت (Scott Bessent) على ضبط عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، باعتباره المؤشر الأساسي لتسعير القروض العقارية والتسهيلات الائتمانية طويلة الأجل للشركات والأفراد.
خيارات الفيدرالي الصعبة: التيسير مقابل احتواء التضخم
في بيئة اقتصادية مثالية تتسم بتراجع التضخم واستقرار النمو، قد لا تكون هذه الأهداف متضاربة. إلا أن المشهد الاقتصادي الحالي بعيد كل البعد عن المثالية:
السيناريو المتساهل (Dovish): إذا استجاب الفيدرالي لضغوط البيت الأبيض وخفض أسعار الفائدة بمعدل أسرع من توقعات الأسواق، فقد يرضي ذلك ترامب على المدى القريب، ولكنه قد يؤدي إلى إحياء المخاوف التضخمية، مما يدفع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل للارتفاع مجدداً — وهو تماماً النتيجة التي يحاول وزير الخزانة بيسنت تجنبها.
السيناريو التشديدي (Hawkish): لمنع عائد سندات الـ 10 سنوات من الارتفاع المتواصل، قد يضطر الفيدرالي إلى إظهار صرامة شديدة في مواجهة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة أو إبقائها مرتفعة لفترة أطول. لكن هذا المسار سيواجه برفض حاد من ترامب، لا سيما مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية الرئاسية التي تواجه فيها الكتلة الحاكمة تحديات سياسية كبيرة.
ضغوط حرب إيران وتحديات التضخم الممتد
تتأثر أسواق الدين بشكل مباشر بالمتغيرات الجيوسياسية والصدمات النفطية. فقد أدى اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية في نهاية فبراير إلى حدوث صدمات في أسواق الطاقة العالمية، مما أثار مخاوف مستمرة بشأن استقرار الأسعار.
وتجدر الإشارة إلى أن التضخم في الولايات المتحدة ظل أعلى من الهدف المحدد من قبل الفيدرالي والبالغ $2\%$ لأكثر من خمس سنوات متواصلة. ومع صعود أسعار النفط، باتت الأسواق تتوقع تحركاً أكثر حذراً من الفيدرالي لحماية استقرار الأسعار، حيث استبعدت عقود الفائدة المستقبلية خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.
أزمة الثقة واستقلالية الفيدرالي
تفاقمت المخاوف بشأن السياسة النقدية منذ تولى كيفن وارش (Kevin Warsh) رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول في نهاية مايو. وأثيرت تساؤلات حول مدى استقلالية المجلس بعد تقارير صحفية أشارت إلى اتصالات متكررة بين ترامب ووارش، على الرغم من تأكيد ترامب أن المكالمة كانت قصيرة وعابرة.
أدت الشكوك حول مدى التزام وارش برفع الفائدة لكبح التضخم، أو حتى مدى تمسكه بهدف التضخم البالغ $2\%$، إلى التطورات التالية في الأسواق:
عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً: تجاوز مستوى 5.20%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007.
العائد الحقيقي لسندات (TIPS) لأجل 30 عاماً المحمية من التضخم: ارتفع إلى ما فوق 3%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2008.
أسعار الفائدة العقارية: سجلت أعلى مستوياتها خلال أكثر من عام، كونها تُسعّر بناءً على عوائد السندات طويلة الأجل.
هل يصل عائد سندات الـ 10 سنوات إلى مستوى 5%؟
يمثل عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات المؤشر الأكثر أهمية بالنسبة للسياسة المالية لوزارة الخزانة. وبينما صرح سكوت بيسنت سابقاً برغبته في رؤية هذا العائد تحت مستوى 4%، فإن التطورات الميدانية دفعت العائد للوصول إلى 4.75%، وهو أعلى مستوى في 18 شهراً.
في ظل عجز الميزانية الفيدرالية المتفاقم، وصدمات أسواق الطاقة، والغموض الذي يكتنف التوجه المستقبلي للفيدرالي، أصبحت مخاطر كسر العائد لمستوى 5% احتمالاً قائماً على المدى القريب.
التدخل المشترك مع اليابان لحماية الأسواق
لتفادي المزيد من الضغوط التصاعدية على عوائد السندات الأمريكية، نسقت واشنطن تحركاً نادراً مع طوكيو للتدخل في سوق الصرف الأجنبي لدعم الين الياباني باستخدام أدوات مخصصة من الفيدرالي. وتهدف هذه الخطوة إلى تمكين طوكيو من دعم عملتها دون الاضطرار إلى بيع جزء من حيازاتها الضخمة من سندات الخزانة الأمريكية والتي تبلغ قيمتها نحو 1.14 ترليون دولار، حيث إن أي مبيعات يابانية مكثفة للسندات كانت ستؤدي إلى قفزة حادة أخرى في العوائد.
بيانات الوظائف والتضخم: بوصلة أسواق الفائدة
شهدت الأسواق المحلية تراجعاً غير متوقع في أرقام الوظائف غير الزراعية لشهر يوليو، إلى جانب تعديلات تنازلية للأشهر السابقة، مما يخفف جزئياً من توقعات رفع الفائدة الصارمة. ونتيجة لذلك، أصبحت أسواق العقود الآجلة تسعر زيادتين فقط بربع نقطة مئوية خلال العام المقبل، مقارنة بثلاث زيادات سابقاً.
تتجه أنظار الأسواق نحو بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI):
إذا جاءت أرقام التضخم أعلى من المتوقع: قد ترتفع احتمالية رفع الفائدة في سبتمبر، مما يقلل الضغط التصاعدي على العوائد طويلة الأجل عبر استعادة مصداقية الفيدرالي في مكافحة التضخم.
إذا جاءت البيانات أضعف من المتوقع: قد يتلاشى خيار رفع الفائدة الشهر القادم، لكن ذلك قد يغذي المخاوف من أن الفيدرالي يتأخر في معالجة التضخم الممتد، مما يدفع عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات نحو مستويات 5%.
الخلاصة والتوقعات
تضع المستويات الحالية لـ عوائد السندات الأمريكية الإدارة الأمريكية أمام اختيارات أحلاها مر؛ فخفض أسعار الفائدة القصير الأجل لإرضاء الأهداف السياسية قد يطلق شرارة موجة جديدة من ارتفاع العوائد طويلة الأجل وتكاليف الاقتراض العقاري والشركي. وفي المقابل، فإن التمسك بسياسة نقدية متشددة للحفاظ على استقرار الدين قد يعيق النمو الاقتصادي قبيل الاستحقاقات الانتخابية المُقبلة.
