تقرير الأسواق العالمية: تراجع الذهب والنفط مع انحسار توقعات رفع الفائدة الأمريكية
تسود الأسواق المالية العالمية حالة من الترقب والحذر في ظل تفاعل المستثمرين مع حزمة من البيانات الاقتصادية المتباينة والتطورات الجيوسياسية المتسارعة. فقد أدى تباطؤ معدلات التضخم في الولايات المتحدة للشهر الثاني على التوالي إلى إعادة رسم توقعات المسار النقدي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما قلص الرهانات على تشديد السياسة النقدية في المدى القريب ودفَع الأسواق إلى إعادة تسعير الأصول الرئيسية.
وفي الوقت الذي تتجه فيه السيولة نحو التعديل الهيكلي، شهدت أسعار الذهب والنفط تراجعات ملحوظة نتيجة عمليات جني الأرباح وتراكم المخزونات، مقابل استمرار الدعم الناتج عن المخاطر الجيوسياسية واضطرابات خطوط الإمداد. نسلط الضوء في هذا التقرير التحريري الشامل على أبرز تحركات المعادن النفيسة، وسوق الطاقة العالمي، بالإضافة إلى قراءة تحليليّة لأداء أزواج العملات الرئيسية والتوقعات المستقبلية للسياسة النقدية الفيدرالية.
الذهب يتراجع بفعل جني الأرباح رغم تباطؤ التضخم الأمريكي
عكست أسعار الذهب اتجاهها الصعودي يوم الخميس لتهبط بنسبة تقارب 1%، حيث اتجه المستثمرون نحو عمليات جني الأرباح عقب مكاسب قياسية شُهدت مؤخراً. وجاء هذا التراجع بعد صدور بيانات تضخم أمريكية أضعف من المتوقع، مما قلص الرهانات على رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في المدى القريب، ودفع المعدن النفيس - الذي لا يدر عائداً - للتراجع عن أعلى مستوياته في أكثر من شهرين.
الذهب الفوري (Spot Gold): انخفض بنسبة 0.7% ليصل إلى 4,373.29 للأونصة، بعد أن كان قد قفز إلى أعلى مستوياته منذ 5 يونيو خلال التداولات الآسيوية المبكرة.
العقود الآجلة للذهب (تسليم شهر ديسمبر): تراجعت بنسبة 0.8% لتسجل 4,430.20 للأونصة.
التحليل الفني ومستويات الدعم
شهد الذهب كسرًا لمستوى الدعم الفني المهم عند 4,387 نتيجة كثافة عمليات جني الأرباح. وعلى الرغم من الموقف الإيجابي للذهب وتطلعه لاستئناف الاتجاه الصعودي (Bull Run)، فإن هذا الارتفاع بات معلقاً موقتاً، إذ تدعم التوترات الجيوسياسية الحالية جاذبية الدولار الأمريكي كملأذ آمن مفضل للسيولة في الوقت الراهن.
بيانات التضخم وتوقعات الفيدرالي
أظهرت بيانات أسعار المستهلكين (CPI) الصادرة مؤخراً تباطؤ التضخم السنوي للشهر الثاني على التوالي، حيث سجل 3.4% على أساس سنوي في يوليو مقارنة بـ 3.5% في يونيو، وهو ما جاء متوافقاً مع توقعات المحللين. وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.1%.
تسببت هذه الأرقام في خفض الأسواق لتوقعات قيام الفيدرالي برفع الفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل:
وفقاً لأداة CME FedWatch، تراجعت احتمالية رفع الفائدة في سبتمبر إلى 36% (أو ما بين 36% و40%) مقارنة بنحو 55% قبل أسبوع.
تتجه أنظار الأسواق حالياً نحو مؤشر أسعار المنتجين (PPI) المتوقع عند 4.9% مقارنة بـ 5.5% في يونيو، يليه مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE) المرتقب في 26 أغسطس.
انخفاض أسعار الفائدة يزيد من جاذبية الذهب مقارنة بالأصول الأخرى ذات العوائد الدورية.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
تأثرت بقية المعادن النفيسة بضغط التراجعات العامة:
الفضة: تراجعت بنسبة 1.36% لتصل إلى 64.41 للأونصة بعد وصولها لأعلى مستوياتها منذ يونيو.
البلاتين: هبط بنسبة 1.93% ليسجل 1,722.65 للأونصة.
البلاديوم: تراجع بنسبة 2.16% ليصل إلى 1,339.87 للأونصة.
أسواق النفط: توازن هش بين ضغط المخزونات والتوترات الجيوسياسية
شهدت أسعار النفط انخفاضاً يوم الخميس، مع تقييم الأسواق لمخاوف ضعف الطلب العالمي وزيادة غير متوقعة في المخزونات الأمريكية، في حين تلقت الأسعار بعض الدعم نتيجة تعثر المحادثات حول مضيق هرمز واستمرار اضطرابات الإمدادات.
أسعار الخام الرئيسية
خام برنت: هبط بمقدار 1.66 (أو 1.9%) ليصل إلى 87.32 للبرميل، مقلصاً أرباحه التي حققها على مدار الجلسات الست السابقة.
خام غرب تكساس الوسيط (WTI): تراجع بمقدار 1.62 (أو 1.95%) ليصل إلى 81.65 للبرميل، بعد صعود استمر خمس جلسات متتالية.
تراكم المخزونات وتوقعات المنظمات الدولية
أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) قفزة كبيرة في مخزونات النفط الخام التجاري بمقدار 17.4 مليون برميل لتصل إلى 424.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، مسجلة أعلى زيادة أسبوعية منذ يناير 2023 ومتجاوزة توقعات المحللين التي كانت تشير إلى سحب قدره 1.4 مليون برميل.
علاوة على ذلك، عدلت المنظمات الدولية توقعاتها لنمو الطلب:
منظمة أوبك (OPEC): خفضت توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط لعام 2026 إلى 580,000 برميل يومياً.
وكالة الطاقة الدولية (IEA): توقعت انكماشاً في الاستهلاك بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً هذا العام مقارنة بتوقعات سابقة بانكماش قدره 1 مليون برميل يومياً، متأثرة بارتفاع الأسعار واضطرابات الإمدادات الناتجة عن التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران.
العوامل الجيوسياسية المحددة للهبوط
على الرغم من ضغط المخزونات، يرى محللون استراتيجيون أن هبوط الأسعار يظل محدوداً ما دامت الحركة الملاحية عبر مضيق هرمز متأثرة. وقد انخفضت عبور السفن غير الحاوية عبر المضيق إلى 5 سفن فقط وهو أدنى مستوى في 3 أسابيع حسب بيانات كبلر (Kpler). كما أسهم استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة في المنطقة والبحر الأسود - بما في ذلك استهداف ميناء إسماعيل الأوكراني ومصفاة نفط روسية في باشكورتوستان - في دعم مستويات الأسعار الحالية.
تحركات أسواق العملات العالمية ونهج "وارش" للسياسة النقدية
استقر مؤشر الدولار الأمريكي يوم الخميس بعد بيانات التضخم المعتدلة، متجهاً نحو تحقيق أول كسب أسبوعي له بنسبة 0.4% خلال ثلاثة أسابيع، وسط أحجام تداول ضئيلة اعتيادية لشهر أغسطس.
رؤية السياسة النقدية للفيدرالي
تترقب الأسواق النهج الجديد المحتمل لقيادة الفيدرالي تحت رئاسة "كيفن وارش" (Kevin Warsh)، والذي يميل إلى اعتماد رؤية أكثر شمولية لتقييم ديناميكيات التضخم، تتجاوز الاعتماد الحصري على مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE). إلا أن الأسواق في الوقت الحالي تواصل التفاعل المباشر مع بيانات أسعار المستهلكين والمنتجين كموجهات رئيسية للسياسة النقدية.
أداء أزواج العملات الرئيسية
الين الياباني (USD/JPY): تراجع الدولار أمامه ليصل إلى حوالي 159.4 ين، مبتعداً بنسبة 2.7% عن أرقامه القياسية المسجلة في أواخر يوليو عند 164 ين.
اليورو (EUR/USD): استقر عند مستويات 1.1524.
الجنيه الاسترليني (GBP/USD): انخفض إلى 1.347 متجاهلاً بيانات النمو الاقتصادي البريطاني الصادرة لشهر يونيو، والتي أظهرت نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4% على أساس اربعي و 2% على أساس سنوي خلال النصف الأول، لتتصدر المملكة المتحدة قائمة نمو دول مجموعة السبع (G7).
الكرونة النرويجية (NOK): تراجعت بنسبة 0.3% أمام اليورو والدولار لتسجل 10.98 لليورو، وذلك عقب إبقاء بنك نرويج المركزي على الفائدة عند 4.25%. ورغم هذا التراجع اليومي، تظل الكرونة النرويجية مع الدولار الأسترالي أفضل العملات أداءً مقابل الدولار الأمريكي هذا العام بربحية بلغت +5.6%.
الدولار الأسترالي (AUD/USD): تراجع بنسبة 0.2% ليصل إلى 0.7048 بالقرب من أعلى مستوياته في 10 أسابيع، وسط تصريحات من مسؤولين في بنك الاحتياطي الأسترالي تشير إلى تصاعد مخاطر التضخم واحتمالية رفع الفائدة مجدداً.
ختاما تُظهر الأسواق العالمية حالة من التوازن المحافظ؛ حيث يفرض تباطؤ التضخم الأمريكي ضغوطاً على الدولار ويكبح توقعات تشديد السياسة النقدية، مما يمنح أصول المخاطرة هامشاً للتنفس. وعلى الجانب الآخر، تشكل المخزونات النفطية الضخمة في الولايات المتحدة عائقاً أمام صعود الخام، إلا أن المخاطر الجيوسياسية القائمة والمخاوف بشأن الإمدادات تضع حداً أدنى لتراجعات الأسواق.
