أسواق المال العالمية: صعود الذهب وتراجع النفط وسط ضغوط الفائدة الأمريكية ورهانات التضخم
شهدت أسواق المال العالمية في ختام التداولات الأسبوعية تحركات متباينة بين مختلف الأصول الاستثمارية. وفي الوقت الذي سجل فيه المعدن الأصفر صعوداً للأسبوع على خلفية عمليات شراء للاستفادة من الأسعار المنخفضة، تراجعت أسعار النفط الخام مع هدوء نسبي في حدة المخاوف الجيوسياسية بالشرق الأوسط. وعلى صعيد أسواق الصرف، واصل الدولار الأمريكي الحفاظ على مكاسبه المرتفعة مدعوماً بتوقعات الإبقاء على سياسة نقدية متشددة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وذلك رغم تراجع مؤشرات ثقة المستهلكين لأدنى مستوياتها.
1. الذهب يستعيد بريقه ويحقق مكاسب أسبوعية بدعم من "صيد الصفقات"
ارتفعت أسعار الذهب لليوم الثاني على التوالي يوم الجمعة لتسجل أعلى مستوى لها في أسبوع، متعافية من أدنى مستوى سجلته خلال شهرين في وقت سابق من هذا الأسبوع. وجاء هذا التعافي نتيجة موجة من عمليات الشراء الشرائية عند المستويات المنخفضة (Bargain Hunting)، بالتزامن مع تقييم المتعاملين لاحتمالات رفع إضافي في أسعار الفائدة الأمريكية.
أرقام ومستويات الذهب
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية (Spot Gold) بنسبة 1.4% ليبلغ 4,190.49 للأونصة، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 1.2%. كما أضافت العقود الأمريكية الآجلة للذهب (تسليم ديسمبر) نسبة 1.4% لتصل إلى 4,215.60 للأونصة.
وأوضحت "رونا أوكونيل"، رئيسة تحليل الأسواق في شركة StoneX، أن المكاسب جاءت نتيجة تشكل أرضية دعم قوية في منطقة 4,000 للأونصة. وأضافت أنه من المرجح أن الأسواق قد سعرت بالفعل إمكانية رفع الفائدة مرة أخرى، إلى جانب توقعات استمرار المشتريات الصافية من قبل القطاع الرسمي، مؤكدة أنه وبدون وقوع حادث غير متوقع (Black Swan)، فمن الصعب رؤية الذهب يخترق مستويات أعلى بشكل حاسم.
توقعات الفائدة وقراءة التضخم المرتقبة
تتجه أنظار المستثمرين إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) للأسبوع المقبل، والتي تُعد المحفز القادم للحركة الكبرى للذهب. وصرح "هان تان"، كبير محللي الأسواق في Bybit، بأن التضخم المستمر الذي يضغط على الفيدرالي لدخول دورة تشديد أكثر حدة قد يدفع الذهب الفوري إلى إعادة اختبار مستوى الدعم النفسي عند 4,000 مرة أخرى.
على صعيد الطلب الفعلي، شهدت الهند طلباً فاتراً هذا الأسبوع مع ارتداد الأسعار، بينما ظلت التداولات في الصين (أكبر مستهلك للمعدن) هادئة بسبب فترة العطلات الرسمية.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
صعدت الفضة بنسبة 2.6% لتصل إلى 60.89 للأونصة، وارتفع البلاتين بنسبة 3% ليبلغ 1,683.96 للأونصة، بينما تقدم البلاديوم بنسبة 2.4% إلى 1,149.49 للأونصة. ورغم هذه الارتفاعات اليومية، تتجه المعادن الثلاثة لتكبد خسائر على المستوى الأسبوعي.
2. تراجع أسعار النفط مع انحسار التوترات الجيوسياسية
انخفضت أسعار النفط يوم الجمعة مع انحسار المخاوف بشأن إمدادات الشرق الأوسط، عقب تصريحات حول عدم وجود نية لهجوم عسكري وشيك قبل انتخابات منتصف الولاية الأمريكية، إلى جانب الحديث عن محادثات إيجابية لتهدئة النزاع الذي ألقى بظلاله على أسواق الطاقة العالمية.
تحركات أسعار الخام
انخفض خام برنت (Brent Crude) بمقدار 52 سنتاً أو بنسبة 0.50% ليستقر عند 103.76 للبرميل. كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بمقدار 22 سنتاً أو 0.2% ليسجل 91.28 للبرميل. ورغم هبوط الجمعة، يتجه كلا الخامين لتحقيق ارتفاع على المستوى الأسبوعي.
العوامل المؤثرة على أسعار الطاقة
تضافرت عدة عوامل في توجيه دفة أسعار الطاقة خلال التداولات الأخيرة، ويمكن إيجازها فيما يلي:
الملف الإيراني وإمدادات الخليج: أشار المحللون في PVM Oil Associates إلى أن التعهدات الأخيرة وتراجع تهديدات حركة الملاحة في مضيق هرمز—الذي يمر عبره نحو 20% من شحنات النفط العالمية—ساهمت في كبح جماح ارتفاع الأسعار، حيث جاء تراجع المخاوف بالتزامن مع مراجعة طهران لمقترحات تتعلق بفتح المضيق.
استئناف صادرات الوقود الصينية: تلقت الأسواق ضغوطاً هبوطية إضافية بعد تقارير أفادت بتخطيط الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، لاستئناف صادرات الوقود المكرر بعد توقف قصير خلال عطلة "الأسبوع الذهبي".
تأثيرات إعصار إساياس: على جانب المعروض، أوقف المنتجون في خليج المكسيك الأمريكي نحو 1.3 مليون برميل يومياً (ما يعادل 62.9% من الإنتاج الحالي) بسبب الإعصار.
3. قوة الدولار الأمريكي تتحدى تراجع ثقة المستهلكين
حافظ الدولار الأمريكي على مساره الصعودي في سوق العملات الأجنبية، متجاهلاً البيانات الاقتصادية الكلية التي أظهرت تدهوراً في الأوضاع المالية للأسر الأمريكية.
وتستمد العملة الأمريكية قوتها الراهنة من ثلاثة عوامل رئيسية متداخلة: أولها الارتفاع المتواصل في توقعات التضخم المستقبلي لدى المستهلكين، وثانيها بقاء عوائد سندات الخزانة الأمريكية عند مستويات مرتفعة، وثالثها الاحتمالات القوية التي تسعرها الأسواق لقيام البنك المركزي الأمريكي برفع إضافي في أسعار الفائدة قبل نهاية العام.
تراجع ثقة المستهلك إلى مستويات قياسية
وفقاً لبيانات جامعة ميشيغان (University of Michigan)، انخفض مؤشر ثقة المستهلك العام في أوائل أكتوبر إلى 46.3 نقطة مقارنة بالتوقعات البالغة 47.6 نقطة. وهبط مؤشر الأوضاع الاقتصادية الحالية من 50.9 إلى مستوى قياسي انخفاضاً عند 44.7 نقطة، في حين ارتفع مؤشر التوقعات المستقبلي بشكل طفيف من 46.3 إلى 47.3 نقطة.
يعود هذا التراجع بالأساس إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وارتفاع أسعار الوقود، وارتفاع تكاليف الاقتراض. وتكشف البيانات أن أكثر من نصف المستهلكين يخططون لتقليص إنفاقهم على السلع المعمرة والسيارات والسياحة خلال العام المقبل.
ارتفاع توقعات التضخم وتأثيرها على الفيدرالي
يتوقع المستهلكون الأمريكيون أن يسجل التضخم معدل 4.7% خلال الـ 12 شهراً القادمة مقارنة بـ 4.6% في سبتمبر. وعلى المدى الطويل (5 إلى 10 سنوات)، استقرت التوقعات عند 3.5%، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف الفيدرالي المتمثل في 2%.
تضع هذه المستويات المرتفعة الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة معقدة؛ إذ إن تراجع الاستهلاك وتباطؤ سوق العمل يدعوان للحيطة، في حين أن التضخم المستمر يحد من قدرة البنك المركزي على تيسير السياسة النقدية، مما يبقي عوائد سندات الخزانة مرتفعة ويدعم جاذبية الدولار.
تسعير الأسواق لقرارات الفائدة (FedWatch Tool)
بالنسبة لاجتماع أكتوبر، تسعر الأسواق احتمالاً بنسبة 19% فقط لرفع الفائدة، مما يعني أن السيناريو المرجح هو الإبقاء عليها دون تغيير. أما بالنسبة لاجتماع ديسمبر، فتشير أداة FedWatch لمجموعة CME إلى احتمال يصل إلى نحو 71% إلى 84% لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
4. أدنى مستوى للدولار الكندي في 18 شهراً
في سوق العملات المتقاطعة، هبط الدولار الكندي (CAD) إلى أدنى مستوياته مقابل نظيره الأمريكي منذ أبريل 2025، حيث تداول الزوج عند مستوى 1.4275 دولار كندي لكل دولار أمريكي.
وجاء هذا التراجع نتيجة هبوط غير متوقع في بيانات التوظيف المحلية بكندا، مما أضعف الرهانات على إمكانية قيام بنك كندا برفع أسعار الفائدة هذا الشهر، ليتجه الدولار الكندي لتسجيل تراجعه الأسبوعي الخامس على التوالي. في المقابل، استقر زوج اليورو/دولار (EUR/USD) بالقرب من مستويات 1.1190، مدعوماً بطلب الملاذ الآمن والتوقعات باستمرار تشديد السياسات النقدية.
ختاما تعكس تحركات الأسواق حالة من الترقب والحذر؛ فالذهب يتلقى دعماً من مستويات الدعم الفنية مع عودة المشتريين، بينما تخضع أسعار النفط لتقلبات العوامل الجيوسياسية وإعادة فتح خطوط الإمداد. وتبقى السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي وبيانات التضخم المرتقبة المحرك الأساسي لأتجاهات الأسواق العالمية خلال الفترة القادمة.
